ملف الأسبوع


19

 ملف الأسبوع 29

تنظيم فتح الله جولن الإرهابي: شبكة خيانة عالمية
تصادف هذه الأيام الذكرى السنوية الثالثة للمحاولة الإنقلابية الفاشلة التي دبرها تنظيم فتح الله جولن الإرهابي في تركيا بتاريخ الخامس عشر من يوليو/تموز عام 2016 والذي كان قد أسفر عن إستشهاد 251 شخصاً وإصابة الآلاف الآخرين بجراح. إن أعضاء هذا التنظيم الإرهابي كانوا قد تخفوا داخل جميع المؤسسات الإستراتيجية في تركيا من قبيل أجهزة الأمن و الإستخبارات و القضاء، و إستخدموا هذه المؤسسات و كذلك طائرات و دبابات الدولة لتنفيذ محاولة إنقلابية و قصف أفراد الشعب و مبنى مجلس الأمة التركي و رئاسة الجمهورية. ومع مرور الزمن بات من الأوضح مدى التهديد الذي يشكله تنظيم فتح الله جولن الإرهابي بالنسبة لتركيا و العالم. و نود اليوم التطرق إلى التهديد الذي يشكله هذا التنظيم الإرهابي على الصعيد العالمي و التدابير الواجب إتخاذها حياله. و نقدم لكم مقالاً حول هذا الموضوع بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد في أنقرة.
البعد العالمي والوضع الراهن لتنظيم فتح الله جولن الإرهابي
إن القوى المقتدرة عالمياً لا تترك الدول من قبيل تركيا على حالها.  و كما أن المانيا تُدار اليوم وفقاً للنظام الذي فُرض عليها أعقاب الحرب العالمية الثانية، فإن تركيا أيضاً أديرت لسنوات طويلة من قبل أنظمة الوصاية. و الوصاية الجديدة التي رُسمت لتركيا أعقاب فترة الحرب الباردة تمثلت بتنظيم فتح الله جولن الإرهابي. و عند التفكير بالموقع الجغرافي لتركيا و المغزى الذي تنطوي عليه بحكم عمقها التاريخي ، فإن تنظيم فتح الله جولن الإرهابي عبارة عن مشروع وصاية إقليمي أقيم عبر تركيا. و لو وضعنا في الحسبان نجاح هذا التنظيم في التخفي و قدرته على تقمص جميع الهويات من أجل الهيمنة على أنظمة الدول التي ينشط فيها ، سنرى أنه تحوّل إلى تنظيم وصاية على صعيد عالمي.
وفي الذكرى السنوية الثالثة للمحاولة الإنقلابية التي جرت في الخامس عشر من يوليو/ تموز، يدور النقاش حول فيما إذا تم القضاء على تنظيم جولن الإرهابي من عدمه. ومن الصعوبة قول شيء قاطع بهذا الخصوص لأن هذا التنظيم لا يظهر بوضوح في العلن بل إنه قائم على أساس التخفي و خداع و تضليل الناس. و لكن مع سقوط القناع تراجعت القدرات الشريرة للتنظيم في تركيا إلى حد كبير. و بات الناس في تركيا يدركون و يعون بوضوح حقيقة تنظيم جولن الإرهابي. و لهذا فإن هذا التنظيم لم يعد بعد الآن يشكل تهديداً لتركيا من ناحية قدراته التنظيمية الشريرة ، و لكنه يعتبر تهديداً من زاوية القدرات الإرهابية الشخصية لأعضائه. وكما أوضحنا آنفاً سيتم الإستمرار في السعي لوضع الدول مثل تركيا تحت الوصاية. و لهذا فإن إحتمالات ظهور تنظيمات جديدة كعناصر وصاية على غرار تنظيم جولن الإرهابي ستكون واردة على الدوام.
تنظيم فتح الله جولن ما يزال يُشكل تهديداً كبيراً على الصعيد العالمي
إن التنظيمات الإرهابية من قبيل جولن و بي كي كي و داعش ، هي تنظيمات عملية بالنسبة للاعبين العالميين. وماهية الحروب في عالم اليوم قد تغيّرت. فالحروب البيولوجية و الحشرات المعدّلة وراثياً باتت من عناصر الطراز الجديد للحروب. و عند مقارنته بتنظيمي بي كي كي و داعش الإرهابيين سيلاحظ أن تنظيم فتح الله جولن هو أكثر فاعلية بصفته تنظيماً معدّلاً وراثياً. فهذا التنظيم موجود في أكثر من 150 بلداً. و في هذا الإطار فإنه يمكن لأجهزة الإستخبارات أن تعتبِر التنظيم بمثابة عنصر عملي بالنسبة لها. و خلافاً للحشرات المعدلة وراثياً و بيولوجياً فإن هذا التنظيم لا ينشط في الطبيعة فحسب بل يتغلغل في أجهزة الإستخبارات و الأمن و القضاء و المؤسسات الإستراتيجية بمراكز البلدان التي ينشط فيها. وغالبية هذه البلدان لا تعرف الوجه الحقيقي للتنظيم وتعتقد بأنه مجرد كيان مدني و ديني. كما أن مثل هذه البلدان لا تعلم على الأغلب قيام تنظيم فتح الله جولن الإرهابي بالعمل ضدها في مجال نقل المعلومات الإستخبارية إلى دول أخرى. ومن زاوية تركيا وأعقاب محاولاته الفاشلة صار التنظيم يسعى إلى إلحاق الأضرار بالمصالح التركية من خلال التعاون مع اليسار المتطرف وتنظيم بي كي كي والأوساط الأرمنية.
ما الذي يمكن القيام به؟
على الصعيد العالمي: إن أجهزة إستخبارات الدول التي تعمل مع تنظيم جولن الإرهابي، قد تعتقد بأن برنامج هذا التنظيم الخائن سيعمل منسجماً معها فقط، كما أنها قد تظن بأنها تستخدم التنظيم مجرد أداة لها. في حين أن التنظيم يُشكل تهديداً حتى بالنسبة لأجهزة إستخبارات الدول المعنية أيضاً. فهل من المعقول بقاء تنظيم إرهابي لم يبدي وفاءً لعائلته وبلده ومجتمعه، بقائه وفياً للدول الأخرى؟
إن تركيا أظهرت للعالم أجمع في الخامس عشر من يوليو/تموز عام 2016 كيفية الصمود أمام المحاولات الإنقلابية و كيفية حماية الديمقراطية و الإرادة الوطنية و الحريات و المجتمع المدني. وقد تلجأ تركيا إلى إقامة التعاون مع الأمم المتحدة و المجلس الأوروبي و المنظمات الدولية الأخرى من أجل تقاسم تجربتها مع المؤسسات الرسمية و المدنية الساعية إلى حماية و تدعيم الديمقراطية و المجتمع المدني و الحريات. كما أنها قد تلجأ إلى تطوير برامج بهذا الصدد مع هذه المؤسسات. كما يمكن لمجلس الأمة التركي الذي كان من بين أهداف المحاولة الإنقلابية الفاشلة ، إستحداث جائزة سنوية عالمية تحت إسم " جائزة الخامس عشر من يوليو/تموز للإرادة الوطنية".
على صعيد الدول التي ينشط فيها التنظيم : إن تركيا تقوم بأعمال فاعلة ضد نشاطات تنظيم جولن الإرهابي في الدول الأخرى و لا سيما في المجال التعليمي. غير أنه في النقطة التي بلوغها فإن التنظيم صار مستحوذاً على الكثير من المواقع الإستراتيجية في الدول التي ينشط فيها ، بل أنها وصلت في بعض الدول إلى نقطة تسيطر فيها تماماً على تلك الدول. و لهذا ينبغي الإصرار على مواصلة المساعي الرامية لضمان إدراك الدول المعنية أبعاد التهديدات التي تواجهها بها الخصوص.     
على صعيد الدول و الإستخبارات و المؤسسات الرسمية: إن رئيس جمهوريتنا يواصل كفاحه بكل قوة و حزم ضد تنظيم جولن الإرهابي. كما أنه يمكن للمؤسسات الرسمية التركية أن تقوم بزيادة أعمالها و نشاطاتها في مجال إطلاع نظيراتها في الدول الأخرى بالمعلومات بهذا الخصوص و تحذيرها من أن تنظيم جولن الإرهابي يُشكل تهديداً حقيقياً لها (أي لتلك الدول).
الجامعات و المؤسسات الفكرية و المثقفين : على الرغم من الأشواط الكثيرة التي قطعتها تركيا ، فإنه تعذر حتى الآن إظهار المراحل المتعلقة بكيفية إستعباد الناس العاديين داخل تنظيم ديني و كيفية قيامهم بكل عمل شرير إستناداً إلى معتقدات منحرفة. كما تعذر تطوير برنامج مضاد للفيروس لإستخدامه للمتورطين في هذا التنظيم. و لكن بإمكان الجامعات و المؤسسات الفكرية و المثقفين و رجال العلم و الدين من دول مختلفة القيام معاً بأعمال من أجل تطوير مثل هذا البرنامج. و بوسع الجامعات و المؤسسات الفكرية التركية اللجوء إلى التعاون مع نظيراتها ولا سيما في الدول التي ينشط فيها تنظيم فتح الله جولن الإرهابي، و ذلك في مجال إعداد التقارير و تنظيم النشاطات و ورش العمل المشتركة و تبادل الخبرات.
نشاطات وسائل الإعلام/التوعية/ التذكير: إن مجتمعاتنا بصورة خاصة تميل أكثر إلى النسيان. و لكن يتعين القيام بأنشطة فاعلة لمنع تكرر الآلام المعاشة و ضمان نقل الخبرات و التجارب إلى الأجيال القادمة. وفي هذا السياق يمكن تأسيس متاحف تجسد خيانة تنظيم جولن الإرهابي ولا سيما في المناطق التي سقط فيها العدد الأكبر من الشهداء ، كما يمكن إقامة معارض متنقلة لعكس جرائم و خيانة التنظيم. و يمكن أن تضم هذه المتاحف و المعارض ما يعكس بطولات الناس العاديين في مواجهة التنظيم الإرهابي في يوم المحاولة الإنقلابية الفاشلة و قصص حياتهم القصيرة و مقتنياتهم الشخصية و مشاعر أفراد عوائلهم و أقربائهم. و يمكن إقامة هذه المعارض خلال أيام معينة في خارج البلاد أيضاً ولا سيما في مقرات البعثات الدبلوماسية و القنصلية ، إضافة إلى ضمان زيارة المعارض المذكورة من قبل القادمين من خارج البلاد.
إن تركيا دفعت ثمناً باهضاً و قدمت الشهداء لإكتساب وعي ثمين بحق تنظيم فتح الله جولن الإرهابي الذي يعتبر أخبث التنظيمات الإرهابية في تاريخ البلاد. و قد تمكنت تركيا من القضاء إلى حد كبير على التهديد الذي يشكله هذا التنظيم بالنسبة لها. و النشاطات التي أشرنا إليها آنفاً هي نشاطات ضرورية ليس لتركيا فحسب بل للدول المعنية و الإنسانية أيضاً. فتركيا تسعى إلى الحيلولة دون دفع الدول الأخرى الثمن الباهض الذي دفعته بهذا الصدد و إلى عدم تعرض تلك الدول لخيانة مماثلة. و نتمنى إدراك مساعي تركيا بهذا الخصوص من قبل الأصدقاء و الدول المعنية في الوقت المناسب دون دفع أثمان باهضة.
 
Okunma Sayısı: 678
Yazdır  

19 ملف الأسبوع

مشاهدات من أوزبكستان 2

لماذا لم تواصل أوزبكستان التطورات الهائلة التي كانت قد حققتها خلال القرنين الـ 15 و الـ 16 في مجالات العلوم و التعليم و الثقافة و الحضارة؟ ولماذا ظل العالم التركي والإسلامي في القرون اللاحقة بعيداً جداً عن مثل هذا العقل اللامع؟

نود أن نقدم تقييماً حول هذا الموضوع بقلم الأستاذ الدكتور قُدرت بُلبُل عميد كلية العلوم السياسية في جامعة يلدريم بايزيد بأنقرة.

 

أهمية العلوم والتاريخ والسياسة أو الاستقرار السياسي

 

إن " الأمير تيمور" يعني الشيء الكثير بالنسبة للأوزبك. ويمكن إطلاق إسم بلاد تيمور على أوزبكستان. إن تيمور كان قد دعا في عهد حكمه الكثير من العلماء إلى بلاده. والكثير  من المعالم التاريخية الموجودة اليوم في بخارى و سمرقند كانت قد شُيدت في عهد تيمور. و الرئيس الأول لدولة أوزبكستان إسلام كريموف لم يُفضِّل إبراز نفسه إلى الواجهة بل فضّل إبراز تيمور و الآثار المشيدة في عهده إلى الأمام.

إن حدود الدولة في عهد تيمور كانت تمتد من إزمير إلى الهند. و تيمور الذي تسبب في عيش الدولة العثمانية عهداً من الإنحطاط كان قد قضى أيضاً على دولة " آلتن أوردو". وبسبب الإفتقار إلى آلية الدولة اللازمة لإدارة مثل تلك الرقعة الجغرافية الشاسعة، بدأت دولة تيمور بالإنهيار أعقاب وفاته عام 1405. وخلال فترة قصيرة تمكنت الدولة العثمانية من تجديد نفسها و إستعادة عافيتها و مواصلة طريقها. بيد أن الروس ملأوا الفراغ الحاصل في أراضي دولة " آلتن أوردو". و قد صار تيمور هدفاً للإنتقادات لإتهامه بالتسبب في ولادة الإمبراطورية الروسية جراء ذلك الفراغ الذي خلقه.

و على الرغم من الإقدام على خطوات علمية هائلة في عهد تيمور و ما بعده، لوحظ لاحقاً تعذر مواصلة تلك المسيرة. و السبب الأهم لذلك يتعلق بالإستقرار السياسي. إذ أنه بغياب الاستقرار السياسي يتعذر إدامة العلوم و التعليم و الفن و الثقافة و الحضارة. و يمكن أن نرى مثالاً أليماً لمثل هذا الوضع في قصة " أولوغ بي" حفيد تيمور. و على الرغم من أنه كان رئيساً للدولة و فلكياً وعالماً بارزاً في عصره ، فقد تمرد عليه إبنهُ ، و إضطر على الإستسلام لإبنه بعد هزيمته أمامه. و بعد تنازله عن العرش أراد حج بيت الله ، و سُمح له بذلك. غير أنه قُتل بأمر من إبنه فور مغادرته سمرقند. و بعد أشهر قُتل إبنه أيضاً عل يد جنوده.

و في ظل أجواء الغموض و إنعدام الثقة آنذاك، لم يعد بالإمكان إدامة أي شيء. إن السبب الأهم للمشكلة التي أشرتُ إليها في مستهل هذا التقييم هو إنعدام الاستقرار السياسي. و يمكن في أوزبكستان الفهم الأفضل للأهمية التي يوليها علماء أهل السنة للإستقرار السياسي ، و ذلك لأنه بغياب الدولة يغيب كل شيء. كما أن الاستقرار السياسي كان السبب الأهم لإكساب الديمومة لمؤسسات الدولة العثمانية. 

 

تنظيم فتح الله الإرهابي (FETÖ)

إن أوزبكستان أدركت قبل تركيا مدى التهديد الكبير الذي يشكله تنظيم فتح الله غولن الإرهابي. ففي عام 1999 أغلقت أوزبكستان جميع مدارس هذا التنظيم في البلاد وطردت المعلمين الذين كانوا يعملون في تلك المدارس بتهمة كونهم عملاء. وقد أفيد بأن هذا التنظيم الإرهابي كان قد قام أولاً بمحاولة إنقلابية فاشلة في أوزبكستان قبل محاولته الإنقلابية الفاشلة التي أقدم عليها في تركيا عام 2016. و بفضل تصوراتنا لأوزبكستان في عالمنا الذهني وما إستمعنا إليه خلال زيارتنا لهذا البلد  ادركنا على نحو أفضل الأضرار التي ألحقها تنظيم فتح الله غولن الإرهابي بالعلاقات التركية – الأوزبكستانية.

 

البخاري وشاه نقشبند والماتريدي

من غير شك لا يمكن كتابة مقال عن أوزبكستان دون التطرق إلى البخاري و النقشبندي و الماتريدي. فهذه الشخصيات تُشكل جذوراً للرأي الإسلامي المتصدي للتطرف و الرافض للنبذ و التهميش ، و أرى أنه ينبغي أن تكون هذه الشخصيات موضوعاً لمقال آخر، و أكتفي هنا بالإشارة إلى أن الأوزبكيين يولون أهمية كبيرة لأضرحة هؤلاء الأعلام .  

اللغة التركية والعالم التركي

لو أردنا الحقيقة ليس من العسير تكثيف الإتصال و التفاهم بين الدول الناطقة بالتركية. وثمة ثلاث خطوات أساسية من شأنها تسهيل تفاهمنا على نحو أفضل.

الخطوة الأولى هي إستخدام الحروف اللاتينية. إن أوزبكستان إنتقلت إلى إستخدام هذه الحروف و كذلك كازاخستان و أذربيجان. غير أنه يتم أحياناً إستخدام الحروف الكريلية أيضاً في هذه الدول. و إن إستخدام الأحرف اللاتينية سيُسهل فهم النصوص المكتوبة.

الخطوة الثانية تتمثل بالإستخدام الأكثر للكلمات العائدة إلى ما قبل مئة عام. فخلال القرن الأخير تأثر أتراك تركيا من اللغتين الإنجليزية و الفرنسية ، فيما تأثر الأتراك الآخرون من اللغة الروسية. ولو لجأنا جميعاً إلى التحدث بلغة أجدادنا سنستطيع التفاهم بسهولة أكثر. إن أحاديث و ثياب المسنين في أوزبكستان كانت شبيهة جداً بأحاديث و ثياب أجدادي و على نحو أحسستُ فيه و كأنني في زيارة لهؤلاء الأجداد.

الخطوة الثالثة هي أن اللغة التركية المستخدمة في تركيا تُقرأ كما تُكتب و تُكتب كما تُقرأ ، و هذا يُكسب السهولة للغة. و إن القيام بمسعى مماثل في اللغات الأخرى سيُسهل التفاهم. و حالياً فإن التفاهم ليس بأمر عسير لو كنتم تعرفون شيئاً من التركية القديمة.

 

إفتتاح فروع للجامعات التركية

إن جميع الذين إلتقينا بهم أكدوا بإصرار على ضرورة فتح فروع للجامعات التركية في أوزبكستان على نحو عاجل ، و قالوا بأن الرئيس بوتين زار بلادهم مع وفد يضم 150 من رؤساء الجامعات. كما أن الجامعات الغربية إفتتحت فروعها هناك منذ فترة طويلة. و لو كان ثمة عراقيل قانونية أمام إفتتاح فروع للجامعات التركية في أوزبكستان  ينبغي إزالة هذه العراقيل. و يتعين عاجلاً حث جامعات تركية معينة على إفتتاح فروع لها في أوزبكستان ، إذ أن روسيا و الدول الغربية قطعت أشواطاً هامة بهذا الخصوص ، و لهذا يجب تحقيق هذا الأمر دون مزيد من التأخير.

تركيا الثانية

إن ماشاهدته في أوزبكستان هو أشبه بتركيا ثانية. فالزائر لهذا البلد يشعر براحة وسعادة و كأنه إكتشف تركيا ثانية. ويمكن أن نطلق على تركيا أيضاً إسم أوزبكستان ثانية بحكم كون هذا البلد موطناً لأجدادنا.

رموز العقل تركيا المتبلورة في الغرب

قبل توجهي إلى أوزبكستان كنتُ قد إلتقيت بالطلبة الأوزبكيين الذين أفادوا لي بأن الناس في تركيا حساسون أكثر نحو الغرب و إنهم يكادون يتجاهلون التطورات الجارية في الشرق.

و بفعل تأثرنا العميق ببخارى و سمرقند ، وبعد عودتي من هناك أدركت على نحو أفضل  ما أراد قوله هؤلاء الطلبة. و هذا الأمر يتضح ببساطة من خلال إلقاء نظرة على الحيز الذي تخصصه وسائل الصحافة و الإعلام للعالم التركي. فهذه الوسائل تكاد لا تتحدث عن العالم التركي في البرامج الرياضية و الفنية و الأدبية. و لنسأل انفسنا السؤال التالي : بينما نعلم الكثير عن الرياضة الغربية و الرياضيين الغربيين ، كم عدد الرياضيين المعروفين لدينا من العالمين التركي و الإسلامي؟ و في حين هناك في باقة البث التلفزيوني عبر الكيبل الكثير من القنوات الغربية ، فإن عدد قنوات العالم التركي في هذه الباقة يكاد أن يكون معدوماً.

إن قلة الاهتمام بوطن الأجداد أمر مؤسف حقاً. في حين أن هناك الكثير من الأشياء البسيطة التي يمكنها أن تدفع العالمين التركي و الإسلامي إلى أجندتنا على نحو أكثر. و على سبيل المثال يمكن من خلال نشاطات رمزية تحقيق الشيء الكثير بهذا الخصوص من قبيل تنظيم سباقات رياضية سنوية بين أبطال أندية العالم التركي تحت مظلة المجلس التركي و سباقات مماثلة تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي.

إن بلورة إطار عالمنا الذهني على نحو يقتصر على الغرب ستؤدي إلى تصغير تركيا. كما إن تركيا ستخسر الشيء الكثير في حال فصلها عن جذورها التاريخية. و إن هذا الطراز من تركيا حتى و إن إنضمت إلى الإتحاد الأوروبي فإنها ستجعل نفسها بلداً عادياً من بلدان الإتحاد. أما لو إهتمت تركيا بالعالمين التركي و الإسلامي و بأفريقيا بقدر إهتمامها بالغرب فإنها ستجد ذاتها. و عند ذلك فإنها ستحقق رؤاها و ستُكسب الكثير لنفسها و لمنطقتها و للعالم.  

Yazdır  

ملف الأسبوع 18

مشاهدات من أوزبكستان 1 

كان من الانسب ان يكون عنوان الموضوع "على خطى الحضارة المفقودة". ولكن من غير الممكن ان نطلق عليه "التنوير المفقود" بالشكل الذي يُقتفى أثره في الاونة الاخيرة في تركستان كما هو في دراسات " فريدريك ستار ". وذلك لان التنوير عبارة عن مفهوم ينتزع الغرب عن تقاليده ولا يعترف بأي منطق دون توجيه من العقل، او أنه عبارة عن خارطة طريق نقلت الغرب إلى يومنا الراهن . والحربان العالميتان الدمويتان كانت  نتاجاً  لهذا التنوير. بيد ان الحضارة المفقودة التي نبحث عنها عبارة عن خارطة طريق مختلفة بعيدة عن الاستغلال وذو محور عادل.

و فيما يلي نقدم لكم تقييماً بهذا الخصوص  بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد في أنقرة.

أود أن أحدثكم عن الزيارة التي قمت بها لأوزبكستان الأسبوع الماضي بمناسبة الندوة التي نُظمت بالتعاون بين مركز أنقرة الفكري للدراسات وجامعة صباح الدين زعيم والجامعة الوطنية الأوزبكستانية وبدعم من وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا).

عندما يذهب المرء إلى الأراضي التي عاش فيها أجداده قبل ألف عام، فإنه يشعر وكأنه تلقى دعوة من هؤلاء الأجداد و يحس بشيء من الحزن إلى جانب شيء من الشوق و الحنين و بعضٍ من الفضول.

 قبل سفري إلى تلك الديار ، أردت قراءة بعض الموضوعات المتعلقة بالمنطقة. بيد أنه لاحظتُ مدى ضآلة  الدراسات العلمية والمذكرات و التدوينات المتعلقة بالرحلات في المنطقة ، إذ أحسستُ و كأنني أقوم بدراسة أولية حول المكسيك و ليس حول وطن الأجداد. و غالبية المصادر المتاحة بهذا الخصوص غير متوفرة في دور الكتب بأنقرة. و لكن بالمقابل هناك الكثير من الدراسات في هذا المجال باللغة الإنجليزية و على رأسها

“A Historical Atlas of Central Asia” أي الأطلس التاريخي لآسيا الوسطى لـ "يوري بريغل".

تركستان

إن المتمتعين بالوعي التاريخي في تركيا و أوزبكستان يؤكدون مراراً على أن الرقعة الجغرافية الشاسعة المعروفة اليوم بإسم الجمهوريات التركية كانت تُدعى في الماضي تركستان ، و أنه أعقاب الاحتلال السوفيتي لجأ السوفييت إلى إعطاء أسماء مختلفة لهذه المنطقة بهدف تمزيقها. ومع تعاقب الزمن جرى في هذه المنطقة وللأسف نسيان تسمية تركستان إلى حد كبير. و نحن أتراك تركيا أصبحنا على علم بالعالم التركي بفضل رئيس الجمهورية الراحل تورغوت أوزال أعقاب إنهيار الإتحاد السوفيتي. و خلال تواجدي في أوزبكستان تعرّفت على مذكرات أحد المشاركين في الندوة التي حضرتها هناك ، الأمر الذي أظهر مدى وخامة الوضع ، إذ قال ذلك المشارك " قبل أوزال كنتُ قد تابعتُ فيلماً  وثائقياً يابانياً حول طريق الحرير ، و جرى فيه تعريف الكازاك و القرغيز و الأوزبك ، و عندما رأيتُ في ذلك الفيلم الناس الذين يتوضؤون و يقيمون الصلاة ، شعرتُ بإندهاش كبير. كنتُ أعتقد و بتأثير من التعليم الذي تلقيناه ، بأن هذه المجتمعات كانت موجودة في عهد من العهود الماضية و أنها باتت في ذمة التاريخ. ولكن أدركت بأنها ما زالت مجتمعات تواصل كيانها و حضورها".

ومن غير شك فإنه من الأهمية بمكان معرفة الماضي وإدراك ما جرى في السابق. إن تسمية تركستان كانت تُستخدم في الماضي للدلالة على الرقعة الجغرافية التي تعيش فيها المجتمعات المذكورة بما فيها المنطقة التي يُطلق عليها اليوم تركستان الشرقية. إن التأكيد المستمر على هذا الوضع لا يدفعنا إلى المزيد من الأمام. و هذا الوضع لم  يحصل في الإتحاد السوفيتي السابق فحسب. إذ إن جميع بلدان العالم شهدت بشكل من الأشكال مثل هذا التمزق و الإنقسام خلال مسيرة تحولها إلى دول قومية. فمثلاً فإن المنطقة التي كان يُطلق عليها إسم الرقعة الجغرافية العثمانية تضم اليوم إثنتين و خمسين دولة. و أعقاب كل ما جرى ينبغي التركيز على كيفية تطوير العلاقات المتعددة الجوانب بدلاً عن التأسف على ما مضى. إذ أن الشيء المنطوي على المغزى في يومنا الراهن هو السعي إلى جعل الوحدة التاريخية الماضية وسيلةً لإقامة التعاون المتعدد الإتجاهات على غرار ما يسعى إليه الإنجليز من خلال رابطة الشعوب البريطانية ( الكومنولث)  و ما يقوم به الفرنسيون من خلال (الفرانكفونية).

العمران

لدى وصولنا إلى طشقند صباحاً، إستقبلنا المطر المتهاطل بحزن في يوم ربيعي جميل. و شعرتُ أن أجدادنا العظام يستقبلوننا بالدموع و بمشاعر اللقاء الذي جاء بعد ألف عام من الفراق.

ومما لفت أنظاري خلال إنتقالنا من المطار إلى الفندق و تجوالنا في مدن طشقند و سمرقند و بخارى ، هو كون أوزبكتسان بلداً حافلاً باللون الأخضر، حيث الأشجار الباسقة و الحدائق الكبيرة و الطرق الواسعة و النسيج التاريخي المحافظ عليه جيداً . ولا أبالغ لو قلتُ بأنني لم أشاهد في المناطق التي تجولت فيها أي مبنى أكثر إرتفاعاً من ارتفاع الأشجار. إذ أن المواقع التاريخية لطشقند و سمرقند و بخاري أشبه بمتحف مكشوف. و ليس ثمة أي مبنى أو عمران يزعج الناظرين بإستثناء بعض الأبنية الباردة الخالية من الروح و الباقية من العهد السوفيتي. و المباني الحديثة في هذه المدن شُيدت على نحو منسجم تماماً مع نسيجها التاريخي، و عند النظر إليها لا يمكن للوهلة الأولى تمييزها عن المباني التاريخية.

العلم والحضارة

و بلا شك فإن المدارس التاريخية تأتي في صدارة ما يتأثر به الإنسان في أوزبكستان. و عند رؤية مدى الأهمية التي كان يتم إيلائها للتعليم و الثقافة و العلوم و الحضارة في هذه الأراضي و الأشواط الكبيرة التي قطعتها خلال القرن الخامس عشر، يشعر الإنسان الذي يعتقد بأن التطورات العلمية مقتصرة على الغرب فقط  ، بالإندهاش. و عند مشاهدتنا مدرسة    " كوكلداش" العائدة إلى القرن السادس عشر أفاد البروفيسور " محمد أمين غوك طاش" أنه لم يكن في الغرب خلال القرن السادس عشر مبنى تعليمي بهذا القدر من الفخامة و التجهيز و الشمولية. 

و عند رؤية المشهد الساحر لميدان " رغيستان" في سمرقند، فإن الإنسان يرغب في البقاء هناك أياماً للتمتع بجمال المكان. وهذا الميدان كان قد أدرج عام 2001 في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي العالمي. وفي الواقع فإن هذا الميدان عبارة عن مجمع يتألف من مدارس" أولوغ بي" و " شيردور" و " تلكاري". ومدرسة “ أولوغ بي" مشيدة عام 1420 من قبل  " أولوغ بي" رابع سلاطين الإمبراطورية التيمورية و الذي كان في ذات الوقت عالم فلك. كان السلطان " أولوغ بي" يلقي دروساً في الرياضيات و علم الفلك  في هذه المدرسة التي كانت تعتبر من إحدى أهم جامعات ذلك العهد. و إنه لشيء مؤثر رؤية هذه المدارس الثلاث التي تعكس بحجمها الضخم و عمرانها مدى الأهمية التي كان يتم إيلائها للعلم و التعليم آنذاك.   

إن التعليم متواصل في يومنا الحاضر في  إثنتين فقط من مئات المدارس التاريخية الموجودة في أوزبكستان ، وهما مدرسة " كوكلداش" في طشقند و " مدرسة " مير عرب" في بخارى. في حين نرى في الغرب إستمرار التعليم في المباني التاريخية للجامعات العريقة من قبيل جامعتي أوكسفورد و هارفرد. ومن أجل عدم فقدان مشاعر الإستمرارية والتقاليد والتاريخ والحضارة العريقة ، ثمة حاجة عاجلة سواء في أوزبكستان أو في تركيا لإقامة المزيد من الصلة بين مباني المدارس التاريخية و الجامعات و إعادة  إكساب قسم من هذه المباني على الأقل للتعليم.

كيف كانت النهاية الحزينة لحياة عالم الرياضيات و الفلك " أولوغ بي" الذي كان من أهم علماء عصره و الذي أكسب آسيا الوسطى هذا الكم الهائل من الآثار و المكتشفات العلمية؟ سنواصل حديثنا عن هذا الموضوع و مشاهداتنا الأخرى في الأسبوع القادم.

 

كان من الانسب ان يكون عنوان الموضوع "على خطى الحضارة المفقودة". ولكن من غير الممكن ان نطلق عليه "التنوير المفقود" بالشكل الذي يُقتفى أثره في الاونة الاخيرة في تركستان وكما هو في دراسات " فريدريك ستار ". وذلك لان التنوير عبارة عن مفهوم ينتزع الغرب عن تقاليده ولا يعترف بأي منطق دون توجيه من العقل، او أنه عبارة عن خارطة طريق نقلت الغرب إلى يومنا الراهن . والحربان العالميتان الدمويتان كانت  نتاجاً  لهذا التنوير. بيد ان الحضارة المفقودة التي نبحث عنها عبارة عن خارطة طريق مختلفة بعيدة عن الاستغلال وذو محور عادل.

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 17

 

 

 تارانتية سريلانكا

دخلنا الأسبوع الجديد بنبأ وقوع هجمات إرهابية جديدة. وقد ورد نبأ الهجمات هذه المرة من دولة في جنوب آسيا مجاورة للهند وهي سريلانكا. ففي عيد الفصح وقعت ثمانية هجمات إرهابية إستهدفت ثلاث كنائس وأربعة فنادق في العاصمة السريلانكية كولومبو وثلاث مدن أخرى، وبلغت حصيلتها حتى الآن حوالي 359 قتيلاً وأكثر من 500 جريحاً.

ونود أن نقدم لكم تقييماً حول هذا الموضوع للأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد في أنقرة.

 

سريلانكا والصراع الداخلي

 

بسبب الهجمات التي وقعت، صار الشعب السريلانكي وجهاً لوجه أمام وضع من الغموض والحزن الشديد. ولهذا السبب بات الوقت وقتاً للتضامن مع السريلانكيين.

هناك 36 من الأجانب بين قتلى الهجمات حتى الآن ومن بينهم أتراك ومسلمون آخرون فضلاً عن أمريكيين وإنجليز وهنود ودنماركيين.

وعقب الهجمات أعلنت الحكومة السريلانكية حظراً للتجوال، وجرى إيقاف الإتصال عبر جميع وسائل التواصل الاجتماعي.

إن سريلانكا هي جزيرة يبلغ عدد سكانها حوالي 22 مليون نسمة، ويتألف سكانها من 70% من البوذيين و 12% من الهندوس و 9% من المسلمين و 6% من المسيحيين الكاثوليك.

و قد شهدت سريلانكا خلال الفترة بين عامي 1983 و 2009 حرباً أهلية بين السنهال البوذيين و التاميل الهندوس. و كانت تلك الحرب قد إنتهت بسيطرة القوات الحكومية على الأوضاع عام 2009.

و تشهد سريلانكا أحياناً هجمات ينفذها البوذيين ضد المسيحيين و المسلمين. وخلال الماضي القريب نفذ البوذيون 26 هجوماً ضد الكنائس في سريلانكا. كما أن 40 مسلماً كانوا قد لقوا حتفهم في البلاد جراء هجمات البوذيين خلال عام 2013.

 

ردود فعل عالمية

 

إن زعماء العالم الذين كانوا شبه صامتين إزاء الهجوم الذي إستهدف مسجدين في نيوزيلندا قبل نحو شهر واحد والذين عجزوا عن وصفه بهجوم إرهابي، نراهم قد نددوا بهجمات سريلانكا بصوت عالي وعبّروا عن رد الفعل اللازم إزائها. ونتمنى التعبير عن موقف مماثل ضد جميع الهجمات والذهاب إلى المزيد من التعاون ضدها.

وقد أدان رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان هجمات سريلانكا بشدة وقال إنها إستهدفت الإنسانية برمتها لافتاً الأنظار إلى التعاون العالمي ضد الإرهاب قائلاً:" أدين بشدة الهجمات الإرهابية التي وقعت في سريلانكا تزامناً مع عيد الفصح. فهذه الهجمات الوحشية كانت موجهة ضد الإنسانية أجمع... كما أنها أظهرت مرةً أخرى ضرورة شن كفاح حازم ضد كافة أشكال الإرهاب. وأود التعبير عن تضامننا مع سريلانكا ضد الإرهاب الذي يعتبر عدواً مشتركاً للإنسانية والسلام العالمي".

 

تارانتية سريلانكا

 

مما يلفت الأنظار هو أن هجمات سريلانكا التي إستهدفت المسيحيين الأبرياء أثناء ممارسة شعائرهم الدينية في الكنائس جاءت بعد نحو شهر واحد من قتل المسلمين الأبرياء الذين كانوا يؤدون صلاة الجمعة في مسجدين في نيوزيلندا. وفي حلقة سابقة من هذا البرنامج كنا قد وصفنا الهجمات العنصرية المنفذة بإسم العرق الأبيض بـ “التارانتية" نسبة إلى الإرهابي برينتون تارانت الذي نفذ مذبحة نيوزيلندا والذي كان قد أعلن للعالم أجمع بأنه نفذ الهجوم بإسم العرق الأبيض. ولو كنا نسمي عنصرية الدولة بالفاشية وعنصرية الشعب بالنازية وعنصرية الدين بالصهيونية، ينبغي وضع إسم خاص للعنصرية البيضاء أيضاً.

إن الهجمات الدنيئة التي وقعت في سريلانكا وبغض النظر عن سببها والجهة المنفذة لها، لا تختلف كثيراً عن العالم الذهني لمرتكب هجوم نيوزيلندا تارانت. وينبغي التنديد الشديد بهذه الهجمات والعثور على المتورطين فيها وإنزال أشد العقاب بهم.

 

دعوة إلى العدالة

 

في عصرنا الراهن نرى لجوء بعض الناس إلى ممارسة الإرهاب باسم الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو البوذية أو الدنيوية أو الأيديولوجيات والأديان الأخرى. ومما لا شك فيه فإنه لا يمكن تبرير الإرهاب بأي شكل من الأشكال. وإلى جانب هذا ينبغي علينا أن نرى أن الإرهاب يتصاعد أكثر بقدر تصاعد مشاعر أو تصورات غياب العدالة. وحتى في حال ضمان العدالة المطلقة، قد يلجأ البعض إلى ممارسة الإرهاب. ولكن مع ذلك فإن العدالة هي الترياق الذي يضمن خفض الإرهاب إلى الحد الأدنى. ومما ينبغي القيام به أولاً هو البحث عن العدالة التي تحول دون إنجرار الناس إلى التطرف. وإن قول " ليس تطرف الإسلام وإنما أسلمة التطرف" لأوليفر روي هو قول يوضح أسباب الكثير من الهجمات الإرهابية. وكلما زاد الناس تطرفاً يلجأون إلى السعي لشرعنة الإرهاب من خلال الأديان أو الأيديولوجيات التي ينتمون إليها. و يتعين علينا تجفيف مصادر التطرف من خلال الدعوة إلى العدالة على الصعيد العالمي. كما يجب علينا منع الناس من اللجوء إلى التطرف وإنتاج الإرهاب من الأفكار التي يحملونها. و من خلال مساعينا لضمان العدالة التي نتخيلها على الصعيد العالمي، ينبغي عدم إضفاء صفة المسيحية أو الإسلام أو البوذية أو اليهودية على التطرف.

و أخشى أن يتحول العالم إلى مكان أقل أمناً بكثير في حال عدم بحثنا عن العدالة على الصعيد العالمي و إكتفائنا بالبحث عنها  لشعبنا وأراضينا فقط. وذلك لأنه في عصر الاتصالات و المعلوماتية يمكن رؤية الظلم وغياب العدالة على نحو أسرع مقابل تضاؤل أسرع لمستوى تحمل الإنسانية لهذا الوضع.

إننا بصفتنا أسرة الإنسانية نتعرض للهجمات الإرهابية في كل مكان، مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية وهجمات داعش والهجمات التي وقعت في باريس و لندن و أنقرة و نيوزيلندا و أخيراً في سريلانكا. و بغض النظر عن الدولة التي نعيش فيها فإن سلامة أرواحنا باتت أقل من الماضي جراء مثل هذه الهجمات الإرهابية. و لهذا و بينما نعمل على زيادة مساعينا في مجال ضمان العدالة من ناحية، ينبغي علينا من ناحية أخرى بصفتنا أسرة الإنسانية إبداء رد فعلنا المشترك و الصارم ضد الإرهاب بغض النظر عن دوافعه و مبرراته. وإن التغاضي عن بعض الهجمات الإرهابية وتجاهلها، لا ينطوي على أي معنى سوى تعريض حياتنا للمزيد من المخاطر.

 

 

 

 

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 16

 

 

هل لا يمكن الإستغناء عن الناتو؟ 

 

أثيرت في الآونة الأخيرة تساؤلات في بعض التصريحات الأمريكية حول تواجد تركيا داخل حلف الناتو بسبب الإنتقادات الشديدة الصادرة عن أنقرة إزاء موقف الولايات المتحدة الأمريكية المتعلق بصواريخ S 400 وسوريا والدعم الذي تقدمه للتنظيمات الإرهابية. وقد تحدث نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس قائلاً " ينبغي على تركيا إعطاء قرارها حول فيما إذا كانت ترغب في البقاء كشريكة هامة في أنجح حلف عسكري في التاريخ، أم أنها تريد تعريض أمن هذا التعاون للخطر من خلال قرارات من شأنها إلحاق الضرر بتحالفنا". وقد رد نائب رئيس الجمهورية التركي فؤاد أوكتاي على هذا التصريح قائلاً " يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية إعطاء قرارها حول فيما إذا كانت ترغب في البقاء صديقة لتركيا أما أنها ترغب في تعريض صداقتنا للخطر من خلال العمل يداً بيد مع الإرهابيين لإضعاف دفاعات حلفاء الناتو أمام أعدائه".

ونود أن نقدم لكم تقييماً حول هذا الموضوع للأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدرم بايزيد في أنقرة.

 

بدايةً  نقول ان الإنتقادات المتعلقة بعضوية تركيا في حلف الناتو غير صادرة عن مسؤولي الحلف أو الدول الأخرى الأعضاء بل إنها صادرة فقط عن الولايات المتحدة الأمريكية.

 

إسهامات وكلفة الناتو بالنسبة لتركيا

 

إن الدول الفاشية في أوروبا كانت قد هُزمت في الحرب العالمية الثانية. فيما خرجت الدول الديمقراطية منتصرة من تلك الحرب. وأعقاب الحرب بدأ العالم أجمع يشهد مسيرة الإنتقال إلى الديمقراطية. وفي تلك الفترة لجأت الدول الديمقراطية إلى تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وكانت تركيا ترغب في الإنضمام إلى المعسكر الغربي بسبب المطالب التي أعلنت عنها روسيا عام 1945 بشأن المضائق البحرية التركية والتهديدات الروسية الموجهة ضد تركيا.

ربما أن أهم وأثمن إسهام قدمه الناتو إلى تركيا في المسيرة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية هو الدور الذي نهض به في بدء مسيرة الإنتقال إلى الديمقراطية في تركيا.  ولولا الظروف الخارجية آنذاك فإن هذه المسيرة لم تكن لتبدأ إلا متأخراً.

إن حلف الناتو صار بمثابة ضمانة لتركيا إزاء التهديد الروسي إبان فترة الحرب الباردة.  وإلى جانب إسهام الناتو في خدمة تركيا، كان للحلف الكثير من الجوانب التي أثرت على تركيا سلبياً. فنظام الوصاية التي إتخذت صفة مؤسساتية في تركيا مع إنقلاب عام 1960، لا يمكن إيضاحه بمعزل عن الناتو ولا سيما عن الولايات المتحدة الأمريكية. و ثمة إعتقاد سائد يتمثل بتواجد التنظيمات التي ظهرت في إيطاليا والتي كانت لها صلة بحلف الناتو من قبيل منظمة  "غلاديو"، تواجدها في دول الحلف الأخرى ايضاً. ومن المعروف الرسالة التي أعطيت إلى الرئيس الأمريكي آنذاك أعقاب إنقلاب عام 1980 في تركيا والتي وردت فيها عبارة " إن أبنائنا قد نجحوا". كما أن الكثيرين أقاموا صلة ربط بين الولايات المتحدة الأمريكية والمحاولة الإنقلابية التي أقدم عليها تنظيم فتح الله غولن الإرهابي في الخامس عشر من يوليو/تموز.

 

إسهامات تركيا في حلف الناتو

 

إن الجنود الأتراك شاركوا في الكثير من الحروب والعمليات التي جرت تحت مظلة حلف الناتو منذ تأسيسه. وأشهر هذه الحروب هي الحرب الكورية التي قدَّمنا خلالها الكثير من الشهداء. كما تواجد العسكريون الأتراك في أفغانستان تحت مظلة قوة " إيساف" التابعة لحلف الناتو. وفي حادث تحطم طائرة الهليكوبتر التي كان يستلقها في أفغانستان أستشهد عام 2012 المقدم شُكر بغداتلي الذي كان من أصدقائي المقربين.

ولكن الإسهام الأهم لتركيا داخل الناتو يتمثل بالشرعية التي وفرتها لعمليات الحلف ولا سيما في البلدان الإسلامية.

 

هل لا يمكن للناتو الإستغناء عن تركيا أم هل أن الأخيرة لا يمكنها الإستغناء عن الحلف؟

 

عند النظر إلى الدول البارزة في العالم بداية القرن العشرين، فإن هذه الدول كانت تتمثل ببريطانيا وفرنسا والمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والدولة العثمانية. ويمكن رؤية نفس الدول عند النظر إلى الدول المؤثرة على السياسة العالمية بداية القرن الحادي والعشرين، ويمكن أن نضيف إليها تركيا التي ورثت الدولة العثمانية والصين.

إن تركيا تُعتبر تاريخياً من إحدى الدول المحورية والرائدة. وإن عدم قيامها اليوم بما يقع على عاتقها بصورة تامة لا يستبعد عنها هذه الصفة. إن تركيا هي دولة حلف الناتو الوحيدة التي سكانها من المسلمين. وإن دعوة تركيا لترؤس تحالف الحضارات مع إسبانيا وأدائها لهذه المهمة، ليس سوى نتيجة للميراث التاريخي الذي تتمتع به.

 ولهذا السبب لا يمكن لتركيا التصرف داخل حلف الناتو كأية دولة غربية عادية. وإسهامات ودعم تركيا داخل الحلف لا يمكن مقارنتها مع إسهامات دول من قبيل اليونان و إيطاليا. كما لا يمكن لتركيا تقديم الإسهام الكافي للناتو والسلام العالمي لو تم النظر إليها كدولة غربية عادية. وبسبب عمقها التاريخي وقدراتها والإسهامات التي يمكنها تقديمها للسلام العالمي، ينبغي على تركيا إقامة علاقات راسخة مع الناتو وروسيا والغرب والشرق والشمال والجنوب. وهذه العلاقات ليست بديلة لبعضها البعض.

إن الذين يقولون بأنه لا يمكن لتركيا الإستغناء عن حلف الناتو، إنما يودون التأكيد على الإسهام الذي يقدمه الحلف من زاوية روسيا والموازين الإقليمية. وهؤلاء يتذكرون المصاعب التي تعرضت لها تركيا بدون الناتو أمام التهديد الروسي في الماضي. ومن غير شك فإن هذا التشخيص هو تشخيص صائب. ولكن في ذات الوقت لا يمكن إيضاح دعم الناتو لتركيا ضد التهديد الروسي في الماضي من خلال النظر إلى حاجة تركيا فحسب. إذ أن الناتو لم يدعم تركيا بسبب حاجة الأخيرة لهذا الدعم بل إن هذا الدعم جاء من منطلق التفكير بأن نشاطات روسيا تُشكل تهديداً للحلف. أي أن حلف الناتو كان مضطراً لتقديم دعم معين إلى تركيا بهذا الصدد حتى لو لم تكن عضوة في الحلف. وعلى سبيل المثال فإن الهند ليست من دول حلف الناتو ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تقدم لها دعماً أكبر بكثير من الدعم الذي تقدمه للدول الأعضاء في الناتو، وذلك بهدف التصدي للمد الصيني. وخلاصة القول فإنه يتحتم على حلف الناتو تقديم الدعم للدول الأخرى بغض النظر عن فيما إذا كانت عضوة أم لا في الحلف، وذلك بهدف إدامة طموحاته العالمية والتصدي لروسيا والصين أو دول أخرى.

ينبغي بطبيعة الحال على تركيا مواصلة كيانها داخل حلف الناتو ولكن يجب على الولايات المتحدة الأمريكية والناتو عدم توقع صمت تركيا إزاء إعادة ترسيم الحدود في الشرق الأوسط ومساعي تأسيس دولة إرهاب متاخمة لها في المنطقة.

إن الدول التي أخذت تزيد من مكانتها داخل السياسة العالمية من قبيل البرازيل وأندونيسيا والهند وماليزيا وباكستان والصين، هي ليست من دول حلف الناتو.  إن تركيا هي دولة قادرة على رسم طريقها دوماً سواءً داخل الناتو أم في خارجه. وهنا نود التذكير بالقول التاريخي الذي جاء في رسالة عصمت أينونو الشهيرة إلى جونسون عام 1964 وهو: سيتم تأسيس عالم جديد وستتبوأ تركيا مكانتها فيه.

إن تركيا بدون الناتو قد تفقد بعض الأشياء ولكنها تستطيع مواصلة مسيرتها، وبالمقابل فإن الناتو بدون تركيا بدوره سوف لن يخسر الشىء القليل بل الكثير.

 

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 15

 

مفهوم الإبادة

حسب إتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، فإن الأفعال التي تُرتكب للقضاء الجزئي أو التام على جماعة أثنية وعرقية أو دينية معينة تُعتبر جريمة إبادة. و هذه الأفعال تشتمل على : قتل أعضاء من الجماعة و إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء الجماعة ، و إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية  يُراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً ، و فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة ، و نقل أطفال من الجماعة عنوةً إلى جماعة أخرى.

و نود أن نقدم لكم تقييماً حول هذا الموضوع للأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد في أنقرة.

في الواقع لم يمكن ثمة في الأدبيات مفهوم باسم الإبادة حتى لجوء اليهودي البولندي "رفائيل ليمكين"  عام 1944 إلى السعي لتعريف الخطة المنهجية التي طبقتها المانيا النازية للقضاء على اليهود. و "ليمكين " هو أول من إستخدم مفهوم الإبادة أي " جينو سيد" المشتقة من كلمتي " جينو" التي تعني باليونانية "العِرق" و " سِيد" التي تعني باللاتينية " القتل". و على الرغم من إستحداث هذا المفهوم أساساً لتعريف الممارسات اللاإنسانية التي إرتكبتها بعض الدول الغربية ، فإن هذه الدول تستخدمه على الأكثر للدول غير الغربية.

و إنطلاقاً من مبادرة تشكيل لجنة في فرنسا بهذا الخصوص ، أود هنا أن أنقل الحديث إلى الإبادة التي وقعت في رواندا و التي ربما تُعتبر آخر إبادة حصلت في تاريخ الإنسانية قبل البوسنة.

الخلفية التاريخية: نمطية مماثلة من بلجيكا: فرِّق تسُد

إن تاريخ رواندا لا يختلف عن تاريخ الكثير من الدول التي أستعمرت. فهذه الدولة  أستعمرت أولاً من قبل المانيا. و أعقاب هزيمة المانيا في الحرب العالمية الأولى تم إحتلال رواندا من قبل بلجيكا.

و أسلوب تحويل رواندا إلى مستعمرة لا يختلف عن أساليب الإستعمار الأخرى. إذ أن ما قامت به بلجيكا في رواندا هو طراز آخر من السياسة البريطانية المتمثلة بـ " فرِّق تسُد". فبلجيكا أيضاً إنتهجت سياسة دعم الأقليات لخدمة نظامها الإمبريالي على غرار الكثير من الدول الإمبريالية الأخرى. و من أجل هذه الغاية فإنها واصلت الأطروحة التي دشنها الألمان و المتمثلة بإستراتيجية الإستناد إلى التوتسيين ضد الهوتيين الذين يشكلون الأكثرية، و إلى كون التوتسيين أكثر تفوقاً وفقاً لجماجمهم. وبهذا أثيرت التوترات بين قبيلتي الهوتو و التوتسي اللتين كانتا في السابق متعايشتين بسلام جنباً إلى جنب طول قرون.

وفي نتيجة سياسة " فرِّق تسُد" التي مارستها بلجيكا ، تمت إدارة رواندا حتى إستقلالها بصورة قمعية من قبل قبيلة توتسي التي تُشكل الأقلية. و لدى نيل رواندا الإستقلال عام 1961 ، إنتقلت إدارة البلاد إلى قبيلة الهوتو. أعقاب أعوام الخمسينات بدأت بلجيكا بدعم قبيلة الهوتو التي صارت هذه المرة تتحرك من منطلق مشاعر التعرض للقمع و السحق لسنوات طويلة ، و أخذت بإنتهاج ممارسات  ضد قبيلة التوتسي و على نحو شبيه بالممارسات التي تعرضت لها سابقاً.

1994: مجزرة مليونية

إن التوتر و الصراع بين الأقلية التوتسية و الأكثرية الهوتية إستمر حتى عام 1994. ففي هذا العام جلس رئيس الدولة " هابيريمانا" المنتمي إلى قبيلة الهوتو ، إلى مائدة السلام مع قبيلة التوتسي. و تم التوصل إلى إتفاق بين الطرفين. و نصَّ ذلك الاتفاق على مشاركة قبيلة التوتسي أيضاً في إدارة الدولة. غير أن " هابيريمانا" قُتل إثر هجوم إستهدف الطائرة التي كان يستقلها.

و حَمّلت قبيلة الهوتو ، التوتسيين بمسؤولية قتل الرئيس " هابيريمانا" ، و بدأت بإرتكاب مجازر رهيبة أسفرت عن مقتل نحو مليون من التوتسيين و الهوتيين المعتدلين خلال مئة يوم. و هذا يعني قتل عشرة آلاف شخص يومياً كمعدل. و تم في تلك المجازر التي حظيت بدعم من موظفي و أتباع الدولة، قتل مئات الآلاف من الأشخاص على يد الهوتيين المتطرفين بإستخدام السيوف بسبب عدم توفر الأسلحة النارية ، كما تم إغتصاب الكثير من النساء. و قد ساهمت بلجيكا في تسهيل التعرف على التوتسسين و قتلهم من خلال منحهم بطاقات تُميّز بينهم و بين الهوتيين. و قد إنتهت تلك المجازر بعد مئة يوم إثر دخول الجبهة الوطنية الرواندية التي أسسها التوتسيون إلى العاصمة.

الأمم المتحدة التي سحبت جنودها بدلاً عن حماية الأبرياء

عندما بدأت أعمال الإبادة في رواندا كانت توجد في البلاد قوة سلام تابعة للأمم المتحدة قوامها 2500 فرداً. وكانت تلك القوة بمثابة الملاذ الوحيد للتوتسيين الفارين من أعمال الإبادة. غير أن رد فعل قوة السلام الأممية لم يمكن مختلفاً عن رد فعلها في البوسنة و سربرنيتسا عام 1995. و بقرار من مجلس الأمن الدولي تقرر خفض قوام قوة السلام من 2500 إلى 250 فرداً. وفي مدينة سربرنيتسا أيضاً كان القائد الهولندي لقوة السلام التابعة للأمم المتحدة "توم كاريمانس"  قد سلّم المدينة إلى الصرب مع 25 ألف شخص من الذين كانوا قد لجأوا إلى تلك القوة طلباً للحماية.

دور فرنسا ...

إن رئيس دولة رواندا " بول كاغامي" إتهم فرنسا و بلجيكا بالتمهيد السياسي المباشر للإبادة التي وقعت. كما أن المتضررين من تلك الإبادة رفعوا دعاوي ضد المسؤولين في فرنسا و بلجيكا. من جانبها قدّمت الكنيسة الكاثوليكية في رواندا إعتذاراً إلى الروانديين بسبب الدور الذي نهضت به في الإبادة. 

في عام 2016 أعلنت اللجنة الوطنية لمكافحة الإبادة في رواندا عن أسماء 22 ضابطاً فرنسياَ رفيعاً من بينهم رئيس الأركان العامة السابق "جاك لانكساد" بصفتهم " أشخاص  متورطين و متواطئين في إرتكاب جريمة الإبادة". و وُجهت إلى هؤلاء الضباط الفرنسيين تهمة تقديم التدريب لمرتكبي الإبادة و تزويدهم بالأسلحة.

في الثالث و العشرين من يونيو/حزيران عام 1994 كانت فرنسا قد بدأت بتنفيذ عملية لإقامة منطقة آمنة للنازحين في جنوب غرب رواندا. بيد أن فرنسا وبدلاً عن العمل على منع وقوع الإبادة،  لجأت إلى دعم مرتكبي تلك الإبادة بالأسلحة و الذخائر، و بالتالي ساهمت في تقليص تقدم الجبهة الوطنية الرواندية. و إدعى الصحفي الفرنسي "سان أكزوبيري" أن تعليمات تسليح الهوتيين  صدرت بموجب أمر خطي صادر عن " هوبرت فيدرين"  الأمين العام للرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران.

وفي لقاء أجرته معه صحيفة " لوفيغارو" عام 1998 كان الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران قد تحدث قائلاً " إن وقوع إبادة في ذلك البلد ليس بأمر هام كثيراً".

وبسبب ردود الفعل الدولية المكثفة و الإنتقادات الموجهة في مجال حقوق الإنسان، قرر الرئيس الفرنسي الحالي إيمانوئيل ماكرون في نهاية المطاف و بعد مرور 25 عاماً، قرر في إبريل/نيسان 2019 تشكيل لجنة مختصة بالتقصي عن الإبادة التي وقعت في رواندا. و قد صدرت إنتقادات بسبب تشكيل هذه اللجنة من أشخاص " مقبولين" من جانب فرنسا بدلاً من تشكيلها من مراقبين محايدين و خبراء مختصين.

إن إبادة رواندا التي وُجهت فيها أصابع الإتهام إلى بلجيكا وفرنسا، وقعت قبل 25 عاماً. أما المذبحة التي إرتكبها "برينتون تارانت" والتي أسفرت عن مقتل 50 مسلماً خلال صلاة الجمعة، فقد وقعت الشهر الماضي. وفي معظم الأحيان نعتقد أن الإمبريالية ظلت في التاريخ و أن  إرهاب العنصرية البيضاء الذي أسميه "التارانتية" كنوع من النازية قد إنتهى. و ربما أن مثل هذا التفكير هو من متطلبات كوننا بشراً لأننا نرغب و نأمل في بقاء مثل هذه الوحشية في صفحات التاريخ. و لكن مهما حاولنا النسيان فإن غايات النوايا الإمبريالية و الأيديولوجيات القاتلة تحافظ على بقائها. فأصحاب هذه النوايا و الأيديولوجيات يذكروننا بذلك في كل مناسبة. فهؤلاء يتمتعون اليوم بتجهيزات فنية تُمكنهم من إراقة دماء أكثر من تلك التي أريقت في الماضي. و نحن بصفتنا أسرة الإنسانية ،  نميل إلى إظهار رد فعل أقل من السابق عندما تكون الوحشية غربية المنشأ.

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 14

ماذا تعني نتائج الانتخابات المحلية التركية؟

يعود تاريخ بداية الانتخابات المحلية في تركيا إلى عام 1840. و قد شهدت  تركيا في الحادي والثلاثين من مارس/آذار 2019 انتخابات محلية جديدة ، وهي الانتخابات المحلية التاسعة عشرة في تاريخ الجمهورية. ونال تحالف الجمهور فيها 51.6% من الأصوات فيمال حصل تحالف الشعب على 37.5%. وعند مقارنة نسبة الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب في هذه الانتخابات – حسب النتائج غير الرسمية - مع نتائج الانتخابات المحلية الماضية التي جرت عام 2014 نرى أن حزب العدالة والتنمية الذي كان قد حصل عام 2014 على 43.1% من الأصوات قد رفع هذه النسبة في هذه الانتخابات إلى 44.3%، غير أن عدد رئاسات بلديات المحافظات والمدن الكبرى التي فاز فيها الحزب تراجع من 48 إلى 38 رئاسة. أما حزب الشعب الجمهوري فقد إرتفعت نسبة أصواته من 26.6% إلى 30.1%، فيما إرتفع عدد رئاسات بلديات المحافظات التي نالها من 14 إلى 21 رئاسة. فيما تراجعت نسبة أصوات حزب الحركة القومية من 17.8% إلى 7.3% ولكنه رفع عدد المحافظات التي فاز فيها من 8 إلى 11 محافظة. أما نسبة أصوات حزب الشعوب الديمقراطي فكانت 6,2% في الانتخابات السابقة و تراجعت الى 4,2% في هذه الانتخابات وتراجع في عدد البلديات التي فاز برئاستها.

ونود أن نقدم لكم تقييماً حول نتائج هذه الإنتخابات للأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد في انقرة.

ماذا تعني هذه النتائج؟ أود من خلال هذا المقال التوقف عند معنى الانتخابات المحلية التركية الأخيرة على الصعيدين العالمي والوطني.

أكبر الخاسرين في هذه الانتخابات هم القائلين إن " تركيا دولة دكتاتورية"

على الرغم من أن الانتخابات التركية الأخيرة كانت انتخابات محلية فإن وسائل الإعلام الدولية أظهرت إهتماماً واسعاً لها. ومن أحد الأسباب الهامة لهذا الاهتمام هو حصول تغيير في رئاسات بلديات بعض المدن الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول (على ضوء النتائج غير النهائية المعلنة حتى ساعة كتابة هذه السطور). إن بعض السياسيين ووسائل الإعلام العالمية التي تتهم تركيا بالدكتاتورية والسلطوية، أصيبت بإندهاش من تغيُّر إدارات بلديات بعض المدن التركية على ضوء نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة. و بينما لم يؤدي هذا الوضع إلى إثارة إندهاش مُبالغ فيه داخل تركيا التي تعرّفت على الإنتخابات المحلية منذ نحو 180 عاماً ، لا حظنا معاناة بعض وسائل الإعلام الغربية و بعض الزعماء الغربيين من صعوبة في فهم نتائج الانتخابات. و قد إنكشفت مرة أخرى الخطابات الدعائية المضادة لتركيا الصادرة عن مثل هذه الشرائح. و من هذه الزاوية ربما بالإمكان القول أن هذه الشرائح التي تتهم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان بالدكتاتورية تُعتبَر أكبر الخاسرين في الانتخابات المحلية التركية الأخيرة.

هل توجد أحزاب شيوعية في الدول الأخرى ؟ و إن كانت موجودة، لا أعلم هل أنها تفوز في أية انتخابات؟ و لكن في الانتخابات المحلية الأخيرة في تركيا فاز مرشح الحزب الشيوعي التركي برئاسة بلدية محافظة تونجلي على الرغم من تهديدات تنظيم (بي كي كي) الإرهابي و ضغوط حزب الشعوب الديمقراطي. و هذا الوضع يُقدم برهاناً آخراً للراغبين في رؤية الحقيقة بعيداً عن الهلوَسة ، بشأن عمل الديمقراطية بصورة جيدة في تركيا. 

حزب العدالة والتنمية: نجاح وتحذير

إن حزب العدالة والتنمية الذي نال في الانتخابات الأخيرة 44.3% من الأصوات، خاض منذ تأسيسه 15 إنتخاباً وفاز في جميعها. وعلى الرغم من بعض المشاكل الاقتصادية فإن حصول زيادة بنسبة أكثر من 1% في نسبة الأصوات المؤيدة لحزب يتولى السلطة منذ عام 2002، في الانتخابات المحلية الأخيرة مقارنةً بالإنتخابات المحلية التي سبقتها، يُعتبر نجاحاً كبيراً. ولدى مقارنة نسبة الأصوات التي حصل عليها تحالف الجمهور في انتخابات رئاسة الجمهورية التي جرت في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران 2018 والتي بلغت 52.3%، يلاحظ أن هذه النسبة لم تتراجع في الانتخابات المحلية الأخيرة إلا بمقدار 0.7% فقط. وعلى الرغم من زيادة نسبة أصوات حزب العدالة والتنمية في عموم تركيا، فإنه خسر رئاسة بلديات بعض المدن الكبرى. وفي الخطاب الذي ألقاه أعقاب الانتخابات أفاد رئيس الجمهورية أردوغان أنهم سيركزون إهتمامهم على معرفة أسباب هذا الوضع وقال إنهم سيأخذون الدروس اللازمة بهذا الصدد.

أما حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي فقد زاد من نسبة أصواته في الانتخابات الأخيرة بالمقارنة مع الانتخابات المحلية السابقة، ولكن النسبة التي حصل عليها هي أقل من نسبة الأصوات التي كان قد نالها مرشح الحزب في انتخابات رئاسة الجمهورية محرم إينجة والبالغة 30.6%. والنجاح بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري يتمثل بزيادة نسبة أصواته وفوزه في بعض المدن الكبرى من قبيل أنقرة وإسطنبول وأنطاليا. وعند النظر إلى مرشحي الحزب في هذه المدن سنرى أنهم لا ينحدرون من التقاليد الكلاسيكية لحزب الشعب الجمهوري. و مازالت الأذهان تحتفظ بالموقف الذي كان حزب الشعب الجمهوري قد أظهره حيال لجوء رجب طيب أردوغان إلى قراءة سورة الفاتحة أعقاب انتخابات عام 1994.

ومن أحد المشاهد التي ستبقى في الذاكرة فيما يتعلق بالإنتخابات المحلية الأخيرة هو قراءة سورة يس من قبل مرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو. إذ أن وجود حزب شعب جمهوري أكثر تصالحاً مع مجتمع وقيم تركيا يعتبر مكسباً للبلاد. وهذا الوضع هو نتيجة طبيعية للنظام الرئاسي ونظام التحالف اللذين يفتحان الأبواب أمام الأشخاص المتمتعين بفطرة سليمة وليس أمام التطرف والتوترات.

الناخب الكردي قال تركيا ولم يقل "كردستان" رغم ضغوط حزب الشعوب الديمقراطي

إن حزب الشعوب الديمقراطي كما كان دوماً لجأ قبل الانتخابات الأخيرة أيضاً إلى إستخدام لغة الإستقطاب والتمييز، و قال إن ناخبيه في شرق البلاد سيصوتون لصالح " كردستان".غير أنه هُزم في أربع من المحافظات التي كانت تُعد بمثابة معاقل له ، وهي شرناك و آغري و بيتليس حيث فاز حزب العدالة و التنمية ، و تونجلي التي فاز فيها الحزب الشيوعي. وقد أظهر الناخبون الأكراد في شرق وجنوب شرق البلاد مرةً أخرى رغبتهم في السير مع تركيا ورفضهم لإظهار كونهم مملوكين لحزب الشعوب الديمقراطي. ويمكن القول إن هذا الوضع أظهر عدم وجود رد فعل لدى الناخبين الأكراد ضد تحالف حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية.

هل أن تراجع المشاركة في التصويت يُعبّر عن مطلب ذكر الأحزاب في القسائم الانتخابية بأسمائها وشعاراتها؟

إن نسبة المشاركة في التصويت في الانتخابات المحلية التركية عموماً هي نسبة عالية جداً بالمقارنة مع الدول الديمقراطية الأخرى و لا سيما الدول الغربية. و بلغت هذه النسبة في الانتخابات المحلية الأخيرة 84%. غير أن هذه النسبة كانت 89% في الانتخابات المحلية السابقة التي جرت عام 2014. أي هناك تراجع بنسبة 5% . و ربما أن مشاركة الأحزاب في خوض هذه الانتخابات ضمن التحالفات كانت لها دور في هذا التراجع. إذ أنه في مثل هذه الحالة  قد يشعر قسم من الناخبين بعدم رغبة في التصويت لصالح حزب آخر غير الحزب الذي إعتاد أن يُصوت له منذ عُقود. و لهذا ينبغي التفكير في إستحداث نظام تحالفي يسمح للأحزاب السياسية  بإحتلال مكانها في القسائم الانتخابية بأسمائها و شعاراتها ، في حال إقامة التحالفات الانتخابية في الانتخابات التي ستجري لاحقاً.

و النتيجة الأخرى للإنتخابات المحلية الأخيرة تتمثل بإنقسام أصوات حزب الحركة القومية الذي كان قد حصل على 17.8% من الأصوات عام 2014. و على الرغم من حصول هذا الحزب على 7.3% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة فإن عدد المحافظات التي فاز برئاسة بلدياتها إرتفع من ثمانية إلى إحدى عشرة محافظة. و بالمقابل فإن الحزب الجيد لم يفز برئاسة بلدية أية محافظة على الرغم من حصوله على 7.4% من الأصوات. أما نسبة أصوات حزب السعادة في الانتخابات المحلية السابقة و الأخيرة فكانت 2.7%.

و في النتيجة يمكن القول مرة أخرى أن ديمقراطيتنا و تركيا تخرج دوماً فائزة في حال الذهاب إلى صناديق الإقتراع .  وهنا لا يسعنا سوى أن نتمنى أن تساهم نتائج الانتخابات في توسيع آفاق الشرائح التي تنظر إلى تركيا من زاوية ضيقة.

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 13

 

 

التارانتية

أعقاب الهجوم الإرهابي الذي نفذه العنصري الأسترالي الأبيض " برينتون تارانت" في نيوزيلندا والذي أسفر عن مصرع خمسين مسلماً، أثيرت النقاشات مجدداً حول كيفية تعريف العنصرية واليمين المتطرف الذي يَستخدم الإرهاب وسيلةَ له. والتسمية الأكثر إنتشاراً لهذا النوع من الإرهاب هي " الإرهاب المعادي للإسلام" أو " معاداة الإسلام".

ونود أن نقدم لكم مقالاً حول هذا الموضوع بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد في أنقرة.

 

معاداة السامية، معاداة الإسلام

 

إن كراهية اليهود والممارسات غير الإنسانية التي حصلت ضدهم في الغرب خلال القرن العشرين، أطلقت عليها إسم " معاداة السامية". وبالمقابل فإن إطلاق إسم " معاداة الإسلام" على أعمال العنف والإرهاب المتصاعدة بإضطراد ضد المسلمين، قد يكون - عملياً - من زاوية التذكير بمأساة غير إنسانية والحُكم على معاداة الإسلام وعلى معاداة السامية معاً. ومثل هذه التسمية لا تكشف عن الذهنية الكامنة وراء المصدر الأساسي للمسألة، ويتم فيها تعريف المشكلة على الأكثر من خلال الضحايا والمتضررين، وإلقاء الظلال على مرتكبي هذا العمل والعقلية التي يستندون إليها.

من ناحية أخرى فإن التهديد الحقيقي والقريب في الغرب لا يتضمن مناهضة الإسلام فحسب. فكما لاحظنا بالتفصيل في البيان الإرهابي الذي أصدره " تارانت" والذي أكد فيه على عدم وجود سبيل آخر سوى قتل غير المنتمين إلى العرق الأبيض في المجتمعات الغربية، فإن جميع الإختلافات بإستثناء العرق الأبيض معرضة للتهديد. وإن العرق الأبيض بالنسبة للعنصريين البيض واليمين المتطرف يشتمل على البيض في أوروبا فقط ويَستثني البيض الموجودين في المجتمعات غير الغربية.

 

الفاشية، النازية، الصهيونية

 

إن المفهوم الذي نبحث عنه هو في الواقع ليس بمفهوم جديد جداً وليس له إطار غير معروف كثيراً. فالعنوان الرئيسي لهذا المفهوم هو: العنصرية. ولكن مفهوم العنصرية يبقى عاجزاً عن التعبير عن الوضع الذي نواجهه في وقتنا الراهن. فالوضع الحالي للعنصرية ليس بوضع يتم فيه حُب عرق معين والعمل من أجله والسعي لنقله إلى الصدارة، بل إنه يرمي إلى القضاء على الأعراق الأخرى وطرازات الحياة المختلفة. وكما يلاحظ في أوروبا ثمة حالة من العنصرية المتبنية لأعمال من قبيل مهاجمة دور العبادة وحرق الناس في منازلهم وهم أحياء وممارسة مختلف الهجمات الإرهابية. وهناك في الأدبيات ما يكفي من المفاهيم التي نستخدمها للتعبير عن أوضاع مماثلة. و على سبيل المثال فإنه يمكن إعتبار الفاشية كنوع من عنصرية الدولة. أما النازية فهي عنصرية شعب و ترى من الدولة وسيلة لها و تستند إلى سمو العرق الألماني. أما الصهيونية فيلاحظ فيها إتحاد عنصرية الشعب مع العنصرية الدينية. و يمكن تعريف الصهيونية التي أسسها ثيودور هرتزل بأنها أيديولوجية سياسية تؤكد على كون اليهود شعب الله المختار و أن الله وعدهم بالأرض الموعودة التي تشتمل على جزء من تركيا أيضاً ،  و أنه من المباح القيام بكل عمل من أجل الإستحواذ على هذه الأرض. فهي أيديولوجية عنصرية وإستعمارية كما وصفها روجيه غارودي. إن الكثير من المفكرين والمدافعين عن حقوق الإنسان يقارنون بين ما فعله هتلر باليهود وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين ضاربةً قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي وحقوق الإنسان والحريات الأساسية عرض الحائط. ومن غير شك فإن جميع اليهود ليسوا صهاينة. فثمة أيضاً اليهود الأرثوذوكس الذين يرفضون الصهيونية تماماً والذي يَعتَبِرون تأسيس اليهود لدولتهم منافياً لدينهم وبالتالي لا يعترفون بإسرائيل.

 

العنصرية البيضاء ، الظاهرة التارانتية

 

لو عَرّفنا الفاشية بعنصرية الدولة و النازية بعنصرية الشعب و الصهيونية بعنصرية الدين، فإن المفهوم الذي نحتاج إليه أساساً هو عنصرية اللون. إن تفوق العرق الأبيض يبقى عاجزاً و بريئاً بشأن التعبير عن العنصرية البيضاء التي تَستخدم الإرهاب وسيلة لها. و ذلك لأنه في النقطة التي تم بلوغها لم يعد تفوق العنصر الأبيض مجرد معتقد فحسب بل إنه تحوَّل إلى مبرر لممارسة الإرهاب.

وعلى الرغم من ترددنا في إتخاذ القرار بشأن المفهوم الذي نحتاج إليه بهذا الخصوص، فإننا نعلم المصدر الذي ينبغي أن يُشتق منه هذا المفهوم وما يجب أن يشير إليه. و لهذا يتعين إشتقاق هذا المفهوم من العالم الذهني للعنصريين البيض المتخذين من العنف و الإرهاب وسيلة لهم. و في هذا السياق يمكن إشتقاق مفهوم العنصرية البيضاء. وفي حال إستخدام هذا المفهوم على نطاق واسع ، فإنه قد يحظى بالقبول خلال فترة قصيرة كمفهوم يدل على إرهاب العرق الأبيض و النبذ و الإقصاء و الكراهية. ولكن في مثل هذه الحالة سيتم البقاء وجهاً لوجه أمام المشكلة التي أشرنا إليها في مقال الأسبوع الماضي. إن وصف الإرهاب الممارس باسم المسيحية بالإرهاب المسيحي و الإرهاب الممارس بإسم الإسلام بالإرهاب الإسلامي ، يُعتبر إفتراءً و بهتاناً بالنسبة للغالبية العظمى من المنتمين إلى هذين الدينين. و إن إستخدام مثل هذه التسميات و إثارة الإستقطاب بهذا الخصوص ستخدم مصالح التنظيمات الإرهابية. كما ينبغي تجنب إستخدام لغة تجعل جميع البيض تحت سوء الظن ، لوصف الذين يمارسون الإرهاب بإسم العرق الأبيض. وكما أننا نعتبر النازية عنصرية شعب بمعزل عن الألمان ، و نعتبر الصهيونية عنصرية شعب و دين بمعزل عن اليهود ، ينبغي اللجوء إلى أسلوب مماثل في وصف العنصرية البيضاء من خلال الفصل بين دعاة هذه العنصرية و البيض الرافضين لها. و يمكن أن يتبادر هنا إلى الأذهان إطلاق إسم "التارانتية" على الإرهاب المستند إلى العنصرية البيضاء ، نسبة إلى العنصري الأبيض برينتون تارانت الذي إرتكب مجزرة المسجدين في نيوزيلندا. إذ يمكن إستخدام هذه التسمية للدلالة على العنصريين البيض الذين يعتبرون الإرهاب وسيلة مشروعة و ليس للإشارة إلى البيض جميعاً. و في حال طرح مفاهيم أخرى للتعبير عن هذا الوضع ، ينبغي مراعاة هذه النقطة.

و في النتيجة نقول أنه ثمة حاجة لمفهوم جديد للتعبير عن إرهاب اليمين المتطرف أو العنصرية البيضاء التي لاتقيم وزناً للحقوق و الحريات الأساسية و حرية التعبير و حق العيش و التي تتخذ من الإرهاب و سيلة لها لتحقيق مآربها. و كل مفهوم سيُستحدث بهذا الخصوص يجب أن لا يكون مرتكزاً على الضحايا و المتضررين ، بل ينبغي أن يكون مفهوماً يكشف عن أذهان و عقلية مرتكب الجرم و يحكم عليه . أي يتعين إستحداث مفهوم على غرار الفاشية و النازية و الصهيونية ، على ان يكون هذا المفهوم مشتقاً من تفوق العنصر الأبيض و لكنه لا يلقي باللائمة على جميع البيض.

 

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 12

 

ملف الأسبوع 12

 

هل تارانت إرهابي مسيحي؟                                                                                   

 

في الخامس عشر من مارس/آذار الجاري نفذ الإرهابي الأسترالي " برينتون تارانت" هجوماً إرهابياً ضد مسجدين في نيوزيلندا خلال صلاة الجمعة، وأسفر عن إستشهاد خمسين مسلماً و إصابة العشرات الآخرين بجراح. وبينما لم تُعرَض أياً من مشاهد القتل و الدماء في الهجمات الإرهابية التي كانت قد وقعت في الغرب، فإن مشاهد الهجوم الذي نفذه  تارانت" بُثبت مباشرةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كما عُرضت هذه المشاهد الوحشية المستهدفة للمسلمين مراراً عبر قنوات التلفزة ووسائل الإعلام الإفتراضية.

و نود أن نقدم لكم مقالاً حول هذا الموضوع بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية في جامعة يلدريم بايزيد بأنقرة.

 

هل إنه مجرم عادي أم إرهابي؟

 

إن هذا سؤال أليم. وقد إمتنع السياسيون الغربيون ومعظم وسائل الإعلام الغربية إن لم نقل كلها عن وصف هذا الهجوم الذي يعتبر الأكثر دموية في تاريخ نيوزيلندا، بأنه هجوم إرهابي. يمكن تعريف الإرهاب بأنه " وسيلة لبلوغ هدف سياسي من خلال التخطيط و إستخدام القوة و العنف و الضغط و الترهيب و الترويع و التهديد". إن " تارانت" لم يكتفي بقتل الناس وبث مشاهد جريمته التي خطط لها لسنوات، على الهواء، بل إنه كتب في ذات الوقت بياناً من 74 صفحة وأشار فيه إلى مبررات ضرورة قتل جميع الذين يعيشون في الغرب من غير المنتمين إلى العرق الأبيض. و إذا كان " تارانت" ليس إرهابياً و لو كان ما قام به ليس هجوماً إرهابياً، لا يمكن وصف أي شيء آخر بأنه هجوم إرهابي. إن معرفة "تارانت" جميع الأحداث و الأماكن و الأسماء التاريخية المعادية للمسلمين و الأتراك و كتابة ذلك بلغاتها الأصلية على الأسلحة التي إستخدمها ، هو دليل مذهل آخر على أنه لم يرتكب الهجوم بمفرده و إنما بالحصول على دعم علمي.

 

الديمقراطيات والحريات في الغرب باتت أكثر إفتقاراً للحماية

 

إن الفاشية والنازية تشهدان تصاعداً في أوروبا ولا سيما بسبب الركود الإقتصادي. وعند المقارنة مع البلدان الديمقراطية الأخرى، فإن الدول التي تتقاسم فيها الأحزاب العنصرية السلطة بالقدر الأكبر اليوم ، هي دول أوروبية. إن التصاعد المضطرد لنفوذ الأحزاب العنصرية تؤدي إلى التكميم الأكثر لأفواه الشرائح المدافعة عن الحرية والتعددية والليبرالية في البلدان الغربية. و هذه الشرائح تشعر بتعرضها للمزيد من الضغوط. و بينما تتصاعد التهديدات الرامية إلى القضاء على أنماط الحياة المختلفة في الغرب ، لم يبق سوى القليل جداً من الزعماء القادرين على رؤية تسبب هذه التهديدات في محاصرتهم و تضييق الخناق عليهم أيضاً ، كما كان عليه الحال قبل الحرب العالمية الثانية.

إن الشرائح المتمتعة بالفطرة السليمة و المنتمية إلى أديان و لغات و أعراق مختلفة في الغرب، لجأت إلى التعبير عن ردود فعلها إزاء الهجوم الأخير الذي أسفر عن إستشهاد 50 مسلماً. و إن إظهار هذه الشرائح تضامنها مع المسلمين ينطوي على قيمة كبيرة جداً عند الوضع في الحسبان جو الضغط القائم في الدول التي تعيش فيها هذه الشرائح. و على الرغم من صمت السياسيين الغربيين فإن مساعي رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيدا أردرين تنطوي على مغزى كبير من زاوية رؤية وجود زعماء في الغرب مازالو ينظرون إلى المسائل نظرة إنسانية. وفي ظل أجواء اليأس وشعور المسلمين القاطنين في نيوزيلندا بالإحباط ، فإن لجوء أردرين إلى زيارة الجالية المسلمة مرتدية الحجاب هو سلوك يستحق التثمين. كما أن التصريحات التي أدلت بها كانت بمثابة رد على الإرهابيين العنصريين، إذ قالت " إن كل إنسان  لم يولد في هذا البلد و لكنه إختار هذا البلد مكاناُ للعيش ، يُعتبر منا. أما مرتكبي هذه المجزرة الرهيبة فليسو منا". كما أن رد رئيسة الوزراء النيوزيلندية أردرين على سؤال الرئيس الأمريكي ترامب حول " ما يمكنه القيام به أعقاب الهجوم الإرهابي الأخير" ،  كان بمثابة تلقين درس له ، إذ قالت " عليكم إظهار محبتكم و تعاطفكم لجميع المجتمعات المسلمة".

 

هل إنه إرهاب مسيحي؟

 

بينما يتشدق السياسيون والإعلام في الغرب بوصف الأحداث التي ينفذها المسلمون بأنها من أعمال الإسلاميين أو الجهاديين أو دعاة الشريعة الإسلامية، فإننا لم نرى أي تصريح يصف المذبحة التي إرتكبها " تارانت" بـ " الإرهاب المسيحي". في حين نلاحظ أن " تارانت" كان قد دعا في بيانه إلى قتل جميع الذين يعيشون في الغرب من غير المنتمين إلى العرق الأبيض. و هذا البيان يتضمن الكثير من المرجعيات المشيرة إلى المسيحية. و لو كان ثمة ضرورة لإقامة صلة ربط بين هجومٍ ما و دين من الأديان ، فهناك الكثير من الأسباب التي تدعو إلى ربط الهجوم الأخير بالمسيحية. و ربما أنه من الأنسب اللجوء إلى وصف هذه الذهنية العدوانية المتصاعدة بإضطراد في الغرب ، بالإرهاب الصليبي، و تقييم المسألة في سياق الذهنية الصليبية .

و على الرغم من كل هذا ينبغي عدم النظر إلى المسألة برؤى غربية. و ذلك لأن الغرب ليس بمثابة المعلم بالنسبة لنا. و كما أننا نعارض محقين مساعي الغربيين في إقامة صلة بين الإسلام و بعض أعمال العنف ، فإنه ينبغي علينا عدم وصف هذا الهجوم بأنه إرهاب مسيحي. و ذلك لأن عدم وضع مسافة بين الإرهابيين بغض النظر عن مبررات أعمالهم الإرهابية و بين الأديان و الأيديولوجيات و القيم التي يمارسون الإرهاب بإسمها ، سيؤدي إلى تقديم الخدمة الأكبر للإرهابيين. و بالتالي يصبح من غير الممكن بلوغ السلام و الأمان في عالم يُتهم فيه المسلمون بمسؤولية الأعمال التي تُنفذ بإسم الإسلام ، و المسيحيون بمسؤولية الإرهاب الممارس بإسم المسيحية. من ناحية أخرى فإن ذكر الأديان و مفاهيمها الأساسية مع الإرهاب بسبب جعل الإرهابيين هذا الأمر وسيلة لهم ، من شأنه تقديم خدمة أكبر للإرهاب بسبب زوال التقاليد التي تحمي المنتمين الى الأديان من التطرف منذ مئات السنين. وفي الأماكن و العهود التي كان يتم خلالها عيش الإسلام على نحو أكثر إنتشاراً و التي كان فيها الجهاد أكثر فاعلية ، و تدار الدول بالمزيد من الشرع الإسلامي ، كان المسلمون و المسيحيون و اليهود متعايشين جنباً إلى جنب وعلى نحو لا مثيل له في باقي المناطق الجغرافية في العالم. و لهذا فإن أجمل نماذج التعددية و تعايش الثقافات المختلفة شاهدناها في الرقعة الجغرافية التي حكمها المسلمون مثل الدولة العثمانية و الأندلس و الهند ، و ليس في اماكن أخرى. وفي تلك العهود كان من غير الممكن لأي مسلم التفكير في القيام بقتل جماعي للإبرياء على غرار الذي حصل في الحادي عشر من سبتمبر أيلول. كما كان من غير الممكن أن يتخيلوا قصف أبناء شعبهم بطائرات " إف – 16" كما فعل تنظيم فتح الله غولن الإرهابي. إن كل هذه عبارة عن حركات حديثة العهد.و إن تماثيل بوذا في تورا بورا لم تُهدم خلال عهد إدارة أفغانستان حسب الشريعة الإسلامية أو في الفترة التي كان الناس يُحمِّلون فيها الجهاد بأكثر من معناه الحقيقي ، و إنما في العهود الحديثة. إن ذهنية الهجوم الذي نفذه "تارانت" لا تختلف من حيث الأساس عن ذهنية تنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول أو المحاولة الإنقلابية التي وقعت في الخامس عشر من يوليو تموز . فجميع هذه الهجمات الثلاثة تعكس لنا النقطة التي يمكن أن ينجر إليها الإنسان بفعل إفتقار روحه إلى المبادىء و القواعد و القيم و العدل و تكريس هذه الروح ضد الناس الأبرياء. فالهجوم الذي نفذه " تارانت" بالسلاح ضد الأبرياء ، و الهجمات التي أقدم عليها بن لادن بالطائرات في الحادي عشر من سبتمبر أيلول ، و المحاولة الإنقلابية التي لجأ إليها تنظيم فتح الله غولن الإرهابي في الخامس عشر من يوليو تموز بإستخدام طائرات " إف – 16"  ، هي نتاج لعقلية واحدة. و ينبغي عدم السماح للإرهابيين بالتستر وراء الأديان لفرض ذهنيتهم الإرهابية من خلال جعل الإرهاب مقترناً بالأديان.

 

ما الذي يجب فعله ؟

 

من غير شك فإن المناخ و الإعلام السائد في الغرب و اللغة التي يستخدمها بعض السياسيين  الغربيين و خطاباتهم العنصرية المنطوية على التمييز و الكراهية ، هي عوامل كان لها تأثير على لجوء "تارانت " إلى إرتكاب جريمته الوحشية بدم بارد و نقل مشاهد مسرح هذه الجريمة إلى العالم أجمع على الهواء مباشرةً. و هذا الحدث هو الحالة الملموسة للنقطة التي يمكن أن تصل إليها معاداة الإسلام و مشاعر الكراهية ضد أردوغان. 

و بغض النظر عن ما يستخدمه الإرهابيون من أمثال " تارانت" و بن لادن و إرهابيو تنظيم فتح الله غولن الإرهابي ، في مساعيهم لإضفاء الشرعية على أفعالهم ، ينبغي على الناس المنتمين إلى نفس العالم الذهني شن كفاح مشترك بهذا الخصوص. 

و يتعين على أسرة الإنسانية في العالم برمته إبداء رد فعل موحد ضد الهجمات الإرهابية بغض النظر عن مبررات هذه الهجمات. فالعالم بات قرية عالمية. و المنتمون إلى مختلف اللغات و الأديان و الآراء باتوا يعيشون جنباً إلى جنب في كل مكان. و يجب علينا أن لا نسمح للناس من جميع الأديان و الأفكار الساعين لسرقة السلام و الأمان و الحريات من عالمنا ، أن يُغرقونا في ظلامهم. و أود إختتام مقالي بدعوة جميع المتمتعين بالفطرة السليمة في العالم  إلى توحيد صفوفهم ، و خلاف ذلك سنكون جميعاً لا محالة أسرى لموجات الظلام الآخذة في الإنتشار.

 

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 11

 

180 السنوية الانتخابات المحلية في تركيا

فيما يلي نقدم لكم مقالاً بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدرم بايزيد في أنقرة حول الانتخابات المحلية التركية القادمة.

ستشهد تركيا في الحادي والثلاثين من مارس/آذار الجاري انتخابات محلية. ويواصل مرشحو الأحزاب السياسية والمرشحون المستقلون حملاتهم الانتخابية. وفي مقالي لهذا الأسبوع أود أن أنقل إليكم مشاهداتي وآرائي بخصوص هذه الانتخابات.

إن أول انتخابات محلية في تركيا كانت قد جرت عام 1840 أي بعد عام واحد من إعلان نظام الإصلاحات. و حسب الأستاذ الدكتور محمد آلكان فإن تلك الانتخابات التي جرت لإختيار أعضاء المجالس المحلية هي أول انتخابات محلية في تاريخ تركيا ، كما أنها كانت من أحد أول نماذج الديمقراطية المباشرة في البلاد ، و من خلالها تعرّف رعايا الدولة العثمانية من المسلمين و غير المسلمين على الانتخابات. وقد أسست أول أمانة مدينة في إسطنبول عام 1855. وأعقاب ستينات القرن التاسع عشر بدأت مجالس البلديات بالإنتشار المضطرد في المدن العثمانية. والترتيبات الأولى المتعلقة بالإنتخابات المحلية كانت قد صدرت عام 1868. أما في العهد الجمهوري فإن أول انتخابات محلية جرت عام 1930. و الانتخابات التي ستجري نهاية شهر مارس/آذار الجاري ستكون الانتخابات المحلية التاسعة عشرة في تاريخ الجمهورية التركية ، كما أنها ستكون الرابعة عشرة منذ الإنتقال إلى النظام الديمقراطي التعددي في البلاد عام 1950.

أول انتخابات محلية بعد الإنتقال إلى النظام الرئاسي وأول تحالف إنتخابي محلي

و كما يلاحظ فإن للانتخابات المحلية في تركيا ماضي قديم يعود إلى ما قبل 180 عاماً ، و هذه الفترة هي أطول من تاريخ الكثير من الدول. و إلى جانب هذا فإن لكل انتخابات ظروفها و إختلافاتها و حالاتها الجديدة الخاصة بها.

إن الانتخابات المحلية التي ستجري في الحادي و الثلاثين من مارس/آذار الجاري ستكون أول انتخابات من نوعها منذ إقرار النظام الرئاسي في تركيا على ضوء الإستفتاء الذي جرى عام 2017. و لهذا فإنها تنطوي على مغزى خاص من هذه الزاوية.

و الميزة الأخرى لهذه الانتخابات هي إمكانية إقامة التحالفات خلالها بعد أن كان ذلك محظوراً في السابق. و في هذا الإطار ستخوض الأحزاب السياسية الانتخابات في تحالفين رئيسيين هما تحالف الجمهور و تحالف الشعب. والأحزاب المتحالفة ستدعم مرشحي بعضها البعض في المناطق التي تم الاتفاق بشأنها.

إن إنهاء حظر إقامة التحالفات الانتخابية بين الأحزاب هي تطور إيجابي ، و بالمقابل فإن تعذر إقامة التحالفات بين الأحزاب بإستخدام هوياتها و شعاراتها و إحتلال مكانتها في القسائم الإنتخابية يعتبر نقصاً من شأنه التسبب في تراجع النشاطات الفاعلة للأحزاب و المشاركة السياسية للناخبين. و أثناء وضع الترتيبات القانونية التي تسمح بإقامة التحالفات في الانتخابات العامة، كنتُ قد تقاسمت الرأي التالي: ينبغي إعداد هذه الترتيبات لتكون سارية بالنسبة للإنتخابات المحلية أيضاً و على النحو الذي يسمح للأحزاب التنافس تحت سقف التحالفات بإستخدام أسمائها و شعاراتها، و عد و فرز أصوات الأحزاب المتحالفة معاً و كأنها قد أُدليت لحزب واحد. و إعتبار مرشح الحزب الذي يحصل على أعلى الأصوات في التحالف فائزاً. وهذا الأسلوب سيضمن للأحزاب والناخبين المشاركة بفاعلية أكبر في الانتخابات.

معنى الإنتخابات المحلية

على الرغم من بقاء فترة قصيرة على موعد الانتخابات المحلية التركية، يلاحظ أن الأجواء الانتخابية في البلاد هي أقل كثافة بالمقارنة مع الانتخابات السابقة. ويمكن القول أن التأثير التوافقي للنظام الرئاسي له دور معين بهذا الخصوص. من ناحية أخرى فإن الحملة الانتخابية الرقمية التي أطلقها حزب العدالة و التنمية يعتبر سبباً آخراً لعدم الإحساس بالجو الإنتخابي كثيراً. ففي السابق كان يتم الإحساس بالإنتخابات على نحو اكثر بسبب أرتال السيارات المشاركة في الحملات الانتخابية و إطلاق أبواق السيارات و الملصقات المنتشرة في الشوارع. و يمكن قراءة سير الحملات الانتخابية في أجواء أقل قساوةً و على نحو أكثر حرصاً على نظافة البيئة و إنتقال هذه الحملات إلى الأوساط الرقمية ، على أنه دليل على إستمرار التطبيع في تركيا.

إن تركيا لم تنتقل إلى النظام الرئاسي إلا حديثاً. و كل تغيير كبير من شأنه إفراز قدر معين من الغموض و الإستياء. و لا يمكن للتغييرات و التحولات الجذرية أن تتواصل إلا بإزالة هذا الغموض و الإستياء. و لو كانت انتخابات 2019 لم تكن الأولى بعد الإنتقال إلى النظام الرئاسي ، و لو أنها كانت ستجري بعد ترسيخ هذا النظام جيداً ، لكان بالإمكان  عدم إقامة صلة بين نتائجها و النظام الرئاسي. أما في ظل الوضع الحالي فإن زيادة أصوات كتلة المعارضة قد تؤدي إلى دفع أحزاب المعارضة نحو إثارة النقاشات مجدداً حول النظام الرئاسي. لهذا فإن هذ الانتخابات تنطوي على الأهمية بالنسبة للنظام الرئاسي والاستقرار.

خلال الأعوام العشرين الأخيرة حصلت الكثير من المحاولات الإنقلابية بهذا الشكل أو ذاك في تركيا و في مقدمتها الثامن و العشرين من فبراير/شباط و السابع و العشرين من إبريل/نيسان و قضية أرغنكون و أحداث حديقة " غيزي" و السابع عشر و الخامس و العشرين من ديسمبر/كانون الأول و الخامس عشر من يوليو/تموز. و لا يمكن إيضاح معظم هذه المحاولات إن لم نقل كلها على أنها تطورات داخلية في تركيا. إن الكفاح من أجل الدمقرطة و القضاء على الوصاية التي جرت مع حلول أعوام الألفية الجديدة، قد بلغت أهدافها إلى حد كبير. فقد تم تشتيت بؤر الوصاية الداخلية وإزالة الجانب الأكبر من العراقيل التي كانت تعترض الإرادة الوطنية. وعلى الرغم من جميع هذه التطورات التي حصلت في الداخل، لا يمكن القول بأن عناصر الوصاية الخارجية التي تحسب الحسابات بشأن تركيا، قد تخلت عن هذه الحسابات. إن ترسيخ النظام الرئاسي وإستمرار الاستقرار في تركيا ينطوي على أهمية بالغة من أجل عدم سعي لاعبي الوصاية الخارجية إلى إفراز بؤر وصاية جديدة في الداخل خدمةً لمصالحها الذاتية، و ضمان لجوء هؤلاء اللاعبين إلى التعامل مع ممثلي الإرادة الوطنية فقط. وإن جو الغموض والفوضى من شأنه إثارة الأمل مجدداً لبؤر الوصاية الداخلية والخارجية.

مهما إختلفت معاني الانتخابات ، فإن كل إنتخاب هو خيار جديد. و تقوم الأحزاب السياسية بأعمالها وفقاً لهذا. و عند مقارنته بأحزاب المعارضة نرى أن الحزب الحاكم يقوم بأعمال أكثر فاعلية بهذا الخصوص. و لو وضعنا في الحسبان الإنهاك الذي قد يتعرض له الحزب الحاكم جراء توليه السلطة لفترة طويلة ، ينبغي على حزب السلطة زيادة سقف أهدافه في كل انتخابات جديدة من أجل الفوز. و كما كان عليه الحال في جميع الانتخابات السابقة فإن زعيم حزب العدالة و التنمية رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان يواصل في الانتخابات الحالية أيضاً صفة الزعيم السياسي الذي يزور العدد الأكبر من مدن البلاد و ينظم العدد الأكبر من التجمعات الجماهيرية و ينتج العدد الأكبر من المشاريع. و بصفته زعيماً خرج بنجاح من جميع الانتخابات التي خاضها منذ تأسيس حزبه فإن أردوغان يعلم جيداً عدم إمكانية الفوز في أية انتخابات بدون بذل المساعي  ،  و يُدرك جيداً أن نيل الأصوات ليس بأمر مضمون بلا إقامة الإتصال مع المواطنين  و كسب رضاهم.

 

 

 

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 10

ملف الأسبوع 10

ماهية حقيقة قضية كشمير؟

بعد فاصل دام 20 عاماً حصلت مواجهة جديدة بين القوتين النوويتين الهند وباكستان. فأعقاب مقتل 44 جندياً هندياً في هجوم وقع بإقليم جامو كشمير الواقع تحت إحتلال الهند، وجَّهَت الأخيرة أصابع الإتهام إلى باكستان بشأن تدبير هذا الهجوم وقامت طائراتها بالإغارة على المواقع التي تسيطر عليها باكستان في المنطقة. وإثر تصدي باكستان لهذه الغارة تم إسقاط طائرتين هنديتين. وأ ُسر أحد الطيارين الهنود. ولكن بعد أيام سلَّمت باكستان هذا الطيار إلى الهند.

إن هذه المشكلة هي في الواقع نابعة عن قضية كشمير المنطوية بإستمرار على مخاطر وإحتمالات المواجهة المسلحة بين الجانبين. ولكن ماهي حقيقة قضية كشمير؟

نود أن نقدم لكم مقالاً بهذا الخصوص بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدرم بايزيد.

 

أسلوب كلاسيكي إنجليزي

 

هناك مثل يقول " إذا تخاصمت سمكتين في النهر، فإعلموا أن إنجليزياً طويل الساقين قد مرّ من هناك قبل قليل". إن منطقة كشمير هي من إحدى المناطق التي تركتها إنجلترا بمشاكلها لدى إنسحابها من الأراضي التي كانت تحتلها، وذلك من أجل التدخل فيها عند الإقتضاء وعرقلة تطورها.

إن السلاطين المنحدرين من أصول تركية كانوا قد حكموا شبه القارة الهندية طيلة سبعة قرون وحتى عام 1857. ففي ذلك العام إنتهى عهد هؤلاء السلاطين أعقاب هزيمة بهادر شاه أمام الإنجليزالذين أخذوا ببسط سيطرتهم على المنطقة. والقاطنون في شبه الجزيرة الهندية كانوا متعايشين طيلة قرون بإختلاف وتعدد لغاتهم وأديانهم وألوانهم، و لكنهم إنقسموا بعد حكم الإنجليز الذي دام تسعة عقود، إلى قسمين أولاً، ثم إلى ثلاثة أقسام وهي الهند وباكستان وبنغلاديش. واللغة الإنجليزية اليوم هي من إحدى اللغات الرسمية في هذه الدول الثلاث.

 

وعندما نالت الهند وباكستان الإستقلال عام 1947 تُركت المناطق ذات الأغلبية المسلمة من السكان لباكستان وذات الأغلبية الهندوسية للهند. ولجأت إنجلترا إلى منع ضم منطقة كشمير إلى باكستان على الرغم من تشكيل المسلمين نحو 90% من سكانها. وتُرك تقرير مصير إقليم كشمير لسكان هذا الإقليم. وذلك القرار الإنجليزي شكّلَ السبب الأساسي الكامن وراء النزاع والمواجهات وأعمال القتل المستمرة في كشمير. وعلى الرغم من قرار سكان كشمير ضم الإقليم إلى باكستان في نتيجة التصويت الذي جرى عام 1947، فإن الأحداث تطورت على نحو مختلف. فقد قرر والي كشمير الهندوسي المهراجا هاري سينغ ضم الإقليم إلى الهند. وعندما قوبل هذا القرار بمقاومة شعب كشمير، لجأ المهراجا إلى طلب المساعدة من الهند. وإثر ذلك دخل الجنود الهنود إلى كشمير وأعقبهم الجنود الباكستانيون. وبهذا إندلعت أولى الحروب بين البلدين عام 1947.

 

الحروب والوضع الراهن

 

الحرب الأولى بين الطرفين وضعت أوزارها في يناير/كانون الثاني 1949 بوساطة الأمم المتحدة. وحسب إتفاقية الهدنة كان ينبغي على البلدين سحب جنودهما من إقليم كشمير وتقرير مصير الإقليم وفقاً لإستفتاء شعبي يجري تحت إشراف الأمم المتحدة. غير أن هذا الإستفتاء لم يتم بسبب معارضة الهند التي لجأت إلى ضم القسم الواقع تحت سيطرتها من الإقليم وأطلقت عليه إسم " جامو كشمير". وبالمقابل أعطت باكستان حكماً ذاتياً للجزء الواقع تحت سيطرتها من الإقليم تحت إسم " آزاد كشمير". ووقعت حربين أخريين بين البلدين عامي 1965 و1999 جراء النزاع على كشمير. وأعقاب الحرب الصينية – الهندية عام 1962 دخل جزء من كشمير تحت سيطرة الصين. وحالياً فإن الهند تسيطر على 45% من كشمير مقابل 35% لباكستان و20% للصين. وقُتل حتى الآن أكثر من 100 ألف شخص وإضطر 1.5 ملايين آخرين على النزوح جراء أزمة كشمير التي خلفتها إنجلترا في المنطقة.

 

هل أن الحل ممكن؟

 

قبل كل شيء يتعين خفض التصعيد الحالي. إن الهند تتهم باكستان بدعم الإرهاب. ولو تطلَّب الأمر قد تلجأ الهند إلى مراجعة مجلس الأمن الدولي بهذا الخصوص. ولكن من غير المقبول لجوئها إلى إتخاذ القرار مباشرةً بشأن شن هجوم في المنطقة. وإن إعلان باكستان إستعدادها للتعاون في مجال التصدي للإرهاب يعتبر خطوة إيجابية. وتطالب باكستان بتسوية قضية كشمير ضمن إطار قرار الإستفتاء الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 1948. غير أن الهند تعارض ذلك بسبب كون غالبية سكان كشمير من المسلمين. ولهذا فإنها تسعى إلى إبقاء المنطقة تحت سيطرتها من خلال تواجدها العسكري. وتتخذ تركيا بهذا الخصوص موقفاً ضمن إطار القرار المذكور لمجلس الأمن.

إن المواجهات المستمرة منذ سنوات طويلة أظهرت أن الحل الذي لا يتبناه الشعب لا يُعتبر حلاً. وإن شعب كشمير يُبدي رد فعله إزاء قرارات البلدين المتجاهلة له وكذلك إزاء إتفاقات اللاعبين الخارجيين. ولهذا فإن الشيء الأول الذي ينبغي الإشارة إليه هو ضرورة إشراك شعب كشمير في مسيرة الحل والسعي إلى تركيز الجهود على التسوية التي يتبناها هذا الشعب.

وأحد الحلول المحتملة هو الإستفتاء الشعبي. ولكن بسبب كون شعب كشمير مقرباً من باكستان فإن الهند تعارض هذا الحل.

والخيار الآخر يتمثل بمواصلة كشمير كيانه كدولة مستقلة. ولكن يبدو أن الهند وباكستان لا تقبلان بهذا الخيار.

إن تركيا هي دولة مستعدة لتقديم كافة أنواع الإسهامات اللازمة للحل لو طُلب منها ذلك، في سبيل وضع حد لإراقة الدماء والدموع ومنع إلحاق الطرفين المزيد من الأضرار ببعضهما البعض. وإن نظرة تركيا إلى قضية كشمير لا تنطوي على أغراض إمبريالية وإنما ترمي إلى حل المشكلة إستناداً إلى أرضية عادلة.

ويبدو أن الحل سيكون صعباً جداً لو كانت الهند وباكستان تعتقدان أن قضية كشمير هي قضية تهمهما فقط دون غيرهما وتظنان بإمكانية التوصل إلى حلها فيما بينهما. ولكن بالمقابل فإنه يمكن فتح باب الحل تِبعاً لمدى إدراك الطرفين لوجود صراع عالمي يجري عبرهما بسبب قضية كشمير، ولمساعي جعلهما أداةً لهذا الصراع العالمي. وإن صفقات مبيعات الأسلحة التي أبرمتها إسرائيل مع الهند في الفترة الأخيرة والدعم الأمريكي للهند من أجل وضع حد للمد الصيني، والدعم الصيني لباكستان، هي تطورات تُذكِّرنا بنوع من الحروب بالوكالة. إن البلدين سيخسران الكثير في حال عدم إدراكهما الصراعات التي يتم السعي لمواصلتها عبرهما، وإستمرارهما في مواجهة أحدهما الآخر. ولكن لو أمكن التوصل إلى الحل في كشمير من خلال رؤية كامل الصورة، فإن الطرفين سيكسبان الشيء الكثير. وفي حال تلاشي جو المواجهة، فإن باكستان والهند ستحققان تطوراً أسرع في وسط السلام وستساهمان في تحقيق المزيد من المكاسب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية لشعبيهما.

 

 

 

Yazdır  

09 ملف الأسبوع

ملف الأسبوع 09

 

هل أن السياسة لم تعُد أملاً في الغرب؟

 

فيما يلي نقدم لكم مقالاً بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد في أنقرة.

 

ثمة تراجع مضطرد في الاهتمام بالسياسة في الدول الغربية. والأحزاب السياسية التقليدية ويمين ويسار الوسط صارت تفقد معناها في هذه الدول شيئاً فشيئاً مقابل صعود الأحزاب العنصرية. والكيانات الجديدة وغير العريقة باتت تحظى بصدى سريع جداً لدى الناخبين. ففي الانتخابات التي جرت في فرنسا عام 2017 كان إيمانوئيل ماكرون قد أنتخب رئيساً للدولة عبر حركة " أن مارش" (أي إلى الأمام) من دون أن يكون له حزب سياسي. ويبدو أن مسيرة الناخبين الفرنسيين لم تتوقف وإنما متواصلة من خلال حركة أصحاب السترات الصفراء هذه المرة.  

وفي مقالي لهذا الأسبوع أود الحديث عن الاهتمام المتراجع بالسياسة في الدول الغربية من خلال فتح نافذة على فرنسا، والأزمات والمخاطر والتهديدات المحتملة لمثل هذا الوضع.

 

هل أن السياسة لم تعُد أملاً في الغرب؟

 

إن نسبة المشاركة في الإدلاء بالأصوات في الانتخابات التي تجري في أوروبا تُظهر بوضوح تراجع إهتمام الناخبين بالسياسة يوماً بعد يوم. فنسبة المشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي تراجعت منذ عام 1979 وحتى الآن من حدود 65% إلى 40%. كما لوحظ تراجع مماثل ولو بنسبة أقل في معدل المشاركة في الانتخابات بفرنسا. فنسبة الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017 بلغت 65%، وهي أدنى مستوى منذ عام 1969. وكان زعيم حركة " أن مارش" (أي إلى الأمام) إيمانوئيل ماكرون قد نال في تلك الإنتخابات 23% فقط من الأصوات. أما زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة ماري لوبان فكانت قد إحتلت الترتيب الثاني بحصولها على 21% من الأصوات. وتنافس إيمانوئيل ماكرون مع لوبان في الجولة الثانية من الانتخابات التي أسفرت عن فوز ماكرون بحصوله على 66% من أصوات 65% من الناخبين الذي شاركوا في الانتخابات. فيما حصلت المرشحة اليمينية المتطرفة لوبان على 34% من الأصوات.

أما نسبة المشاركة في التصويت في الانتخابات الرئاسية التي جرت في تركيا عام 2018 فقد كانت مرتفعة وبلغت 87%، ويمكن قراءة هذا الوضع بأنه دليل على شعور الجماهير التركية بالأمل من السياسة والأحزاب السياسية.

 

أسباب عدم الإكتراث بالسياسة؟

إن بعض خبراء السياسية يَعزون سبب التراجع المضطرد لنسبة المشاركة في التصويت في الانتخابات التي تجري في الغرب، إلى زيادة مستوى الرفاه في البلدان الغربية. إذ أن الإرتفاع المفرط لمستوى الرفاه يؤدي إلى تراجع التطلعات من السياسة وبالتالي من شأنه التسبب في تراجع المشاركة السياسية. ولكن رغم هذا لا يمكن إعتبار زيادة مستوى الرفاه مبرراً للوضع القائم بهذا الخصوص في الغرب عموماً وفرنسا خصوصاً.  ومن المعروف أن عدم جني الدول الغربية مكاسب كافية من مسيرات العولمة أدى إلى إنكماش إقتصاداتها وتسبب في دفع هذه الدول نحو إتخاذ موقف مضاد للعولمة. وإن زيادة عدد الأصوات المؤيدة للأحزاب العنصرية يوماً بعد يوم وتصاعد المظاهرات في الشارع الغربي هو دليل آخر على عدم إمكانية تبرير الوضع إستناداً إلى زيادة مستوى الرفاه.

من ناحية أخرى يمكن القول إن تغيُّر سبل المشاركة السياسية أدى إلى تراجع الاهتمام بالإنتخابات. ومن غير شك ثمة أهمية لزيادة أعداد ومهام منظمات المجتمع المدني والمنظمات المهنية ولإعطاء الناخبين لرسائلهم بسرعة أكبر عبر تقنيات الاتصالات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي دون إنتظار الانتخابات. بيد أن هذا الوضع لا يُغير حقيقة إختيار السلطة السياسية عن طريق الانتخابات، وبالتالي فإنه لا يزيل المخاطر الناجمة عن نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات.

ومن بين الأسباب المؤدية إلى عدم الإكتراث بالسياسة نذكر عدم إعطاء الأولوية لخيارات شرائح المجتمع الواسعة وعدم الشعور بالأمل من مساعي البحث عن حل للإنكماش الاقتصادي وتصاعد تهم الفساد الموجهة إلى السياسيين.

 

السياسة الفاقدة لمبادئها: مباركة السيسي في أسبوع الإعدامات

 

من غير شك أن التصريحات غير المبدئية والمتناقضة والمفتقرة إلى القواعد في السياستين الداخلية والخارجية، تندرج ضمن أسباب زوال الأمل بالسياسة. ومن ناحية السياسة الخارجية نرى أن الإتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه تتحدث عن نقص الديمقراطية وإنتهاكات حقوق الإنسان في الدول الأخرى. ولكن لا حظنا أن زعماء نفس هذه الدول لم يترددوا في عقد القمة العربية – الأوروبية في شرم الشيخ بإستضافة الجنرال الإنقلابي السيسي في الأسبوع الذي اُعدم فيه تسعة من المدنيين في ريعان شبابهم في مصر. ولم يوجه هؤلاء الزعماء أية إنتقادات إلى السيسي. وفي ظل هذا الوضع كيف يمكن الحديث عن مصداقية الإنتقادات الصادرة عن الإتحاد الأوروبي وزعماء دول الإتحاد في مجال السياسة الخارجية. وما هو المبدأ والأمل و الرصانة التي يترقبها الناخب من مثل هذه السياسات؟

عند النظر من زاوية فرنسا نرى من ناحية الإنكماش المضطرد لمساحات الحرية جراء معاداة الأجانب و الإسلاموفوبيا و معاداة السامية ، ومن ناحية أخرى نلاحظ أن إدراج أبسط حريات التعبيرالأساسية  ضمن معاداة السامية و مساعي فرض عقوبات على من ينتقد الصهيونية تتسبب في الإنكماش الأكثر لمساحات الحرية.

 

لو لم يعد ثمة أمل من السياسة...

 

إن إيمانوئيل ماكرون كان قد جاء إلى رأس السلطة في فرنسا جراء فقدان أحزاب يمين ويسار الوسط لمعانيها. والآن تواصل حركة أصحاب السترات الصفراء إتباع نهج مماثل. إن تصاعد أو تراجع مظاهرات أصحاب السترات الصفراء التي أسفرت حتى الآن عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة وإعتقال الآلاف، وإحتمال تحولها إلى حركة سياسية من عدمه هو ليس موضوع هذا المقال. غير أن تراجع الإكتراث برسم السياسة من خلال صناديق الإقتراع وزيادة الاهتمام بحراك الشوارع، هي تطورات تُظهر معاناة الأحزاب السياسية التقليدية من أزمة ثقة خطيرة. وإن سياسة أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً تواجه من هذه الزاوية جواً خطيراً من الغموض وغياب الثقة. وثمة تراجع متواصل في نسبة الثقة بالسياسة. وجو إنعدام الثقة هذا يشكل تهديداً خطيراً بالنسبة لمستقبل أوروبا والعالم. وهذا الوضع الذي يمكن إعتباره بمثابة أزمة لسياسة أوروبا يتسبب في جعل أوروبا وجهاً لوجه أمام غموض خطير وتطورات لا يمكن التنبؤ بها.

كما أن زيادة أصوات الأحزاب العنصرية يوماً بعد يوم ومساعي البحث عن حلول خارج الصناديق تُشكل مخاطر كبيرة بالنسبة لمستقبل الديمقراطيات. وكما لاحظنا في النموذج الفرنسي يمكن للأحزاب اليمينية المتطرفة التأهل لخوض الجولة الثانية من الانتخابات. ويمكن للناخبين التوحد ضد مثل هذه الأحزاب في الجولة الثانية. غير أن تلاشي أحزاب يمين ويسار الوسط شيئاً فشيئاً، يؤدي إلى الزوال المضطرد للعتبة التي من شأنها إيقاف الأحزاب العنصرية.

ولو كان المسؤولون الفرنسيون يرغبون في تحميل السياسة بالمعنى والأمل من جديد بالنسبة لمجتمعهم، ينبغي عليهم التخلي في أقرب وقت عن إنتقادهم المستمر للدول الأخرى و الكف عن تكثيف جهودهم على هذه الدول، كإمتداداً للتقاليد الإمبريالية، و الإصغاء إلى صوت مجتمعهم. و لو فقد المجتمع الفرنسي أمله تماماً بشأن تحقيق التغيير بواسطة السياسة التي يعتبرها وسيلة مشروعة، أخشى أن تكون مسيرة " تنوير" جديدة بإنتظار فرنسا.

 

 

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 08

 

ملف الأسبوع 08

الشعب والذِلة والسياسة

فيما يلي نقدم لكم مقالاً بعنوان " الشعب والذِلة والسياسة" بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد.

إن الأنظمة السياسية يُكتب لها الدوام تِبعاً لمدى إنسجامها مع المجتمعات ولمدى نقلها خيارات المجتمع إلى السلطة. وإن تمتع الأنظمة السياسية بالحرص على تلبية المطالب الاجتماعية والتغيير يؤدي إلى زيادة وديمومة الفوائد الاجتماعية. أما الأنظمة السياسية المتجاهلة لخيارات المجتمع والتي تقاوم التغيير، فلا يمكنها مواصلة كيانها لفترة طويلة مهما كانت قوية.

إن المشكلة الأساسية من ناحية النظام السياسي بالنسبة للمجتمعات غير الغربية بما في ذلك العالم الإسلامي، تتمثل بعدم عكس خيارات الشعب على السياسة بالقدر الكافي وعدم كون الأنظمة السياسية مفتوحة بما يكفي للمطالب الاجتماعية. وهذا الوضع سيدفع المجتمعات بعد فترة نحو إعتبار هذه الأنظمة غير مشروعة.

والمشكلة الأساسية الثانية للمجتمعات غير الغربية هي عدم توفير الأنظمة السياسية القائمة الفرصة لتحقيق التغييرات والتحولات المشروعة، وبالتالي عدم تغيُّر السلطات السياسية، أي البقاء في السلطة على نحو دائم. وفي حال إعتبار السلطات السياسية مشروعة من قبل مجتمعاتها، فإن المطالب المتعلقة بتغيير السلطة قد لا تكون ذات أولوية كبيرة. ويمكن اليوم إعطاء بعض الأنظمة الملكية التي تعتبِرها المجتمعات مشروعة، مثالاً على هذا الوضع. غير أن الأمثلة بهذا الخصوص ضئيلة جداً. وليس من الوارد وجود وسيلة جيدة لمعرفة مستوى رضا المجتمع من السلطة السياسية في هذه الأمثلة. ولهذا يمكن إعتبار الديمقراطية في عالم اليوم أفضل نظام يمكن فيه قياس الشرعية ومدى الرضا الاجتماعي.

السلطات المفتقرة إلى الشعوب

إن الأنظمة السياسية التي تضمن الشرعية والرضا الاجتماعي، تُعتبر أفضل الأنظمة، وبالمقابل فإن الأنظمة التي لا تضمن ذلك تُعتبر على الأرجح أسوأ الأنظمة. فالأنظمة المغلقة تماماً أمام الخيارات الاجتماعية من ناحية والتي لا تسمح بتغيير السلطة من ناحية أخرى، هي أنظمة تفرز نتائج وخيمة جداً لمجتمعاتها.

وبالإمكان مشاهدة أمثلة للأنظمة السياسية التي لا تُعتبر مشروعة من قبل مجتمعاتها والتي لا تسمح بتغيير السلطة السياسية، في الكثير من الدول وعلى رأسها دول الشرق الأوسط. والأنظمة السياسية غير المستندة إلى الشعب والمفتقرة إلى الدعم من جانب إرادة وطنية قوية، تضطر على تقاسم عجزها هذا مع بؤر السلطة الأخرى في الداخل والخارج. وهذه البؤر الداخلية والخارجية المعادية للديمقراطية تقوم بكل ما بوسعها من أجل إدامة هذا الوضع خدمةً لمصالحها. وهذا هو من أحد أهم أسباب إدامة الدكتاتوريات بدلاً عن الديمقراطيات في الكثير من الدول بما فيها دول الشرق الأوسط. ونظراً لعدم السماح بتغيير السلطة بالسبل المشروعة، فإن مثل هذه السلطات تحولت إلى سلطات يزداد ثقلها على كاهل المجتمع بإضطراد، وتفقد ديمومتها يوماً بعد يوم، وتستند في الداخل إلى المزيد من العناصر العسكرية، وتبقى واقفة على قدميها في الخارج بفضل الدعم المستمر الذي تتلقاه من الدول الإمبريالية العالمية.  

التجربة السياسية التركية

إن تجربة تركيا التي حققت تغييراً في النظام السياسي في الفترة القريبة الماضية، يمكنها الإسهام في الفهم الأفضل لما هو مذكور آنفاً. فتركيا هي دولة إنتقلت من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي في نتيجة الإستفتاء الشعبي الذي جرى بشأن تعديل الدستور عام 2017. ومما لا شك فيه هناك في العالم دول يتم فيها تطبيق النظام البرلماني على نحو جيد. غير أن النظام البرلماني في تركيا كان قد تحول إلى نظام يراعي خيارات بؤر الوصاية الداخلية والخارجية أكثر من نقل خيارات الشعب إلى السلطة. وكان يتعذر على السلطات السياسية القصيرة الأجل والمحتاجة إلى إئتلافات حكومية، إظهار حضورها أمام عناصر الوصاية الداخلية والخارجية، وبالتالي فإنها كانت تضطر إلى تقاسم صلاحية التمثيل الممنوحة لها من قبل الشعب مع تلك العناصر. وإن الإنقلابات العسكرية أو المحاولات الإنقلابية التي كانت تحصل كل عشرة أعوام بدعم خارجي والطغمة التي كانت متحكمة بالقضاء والبيروقراطية ماهي إلا ذكريات مؤلمة لتلك الأوضاع غير الديمقراطية.

ومع تغيير النظام السياسي فيها تحولت تركيا إلى دولة أصعب بالنسبة لبؤر الوصاية الداخلية والخارجية، ويمكن إداراتها على نحو أسهل بالنسبة لشعبها. كما هناك قاعدة في هذا النظام الرئاسي تتمثل بعدم إنتخاب رئيس الدولة لأكثر من ولايتين. وبهذا فإن النظام السياسي لتركيا بات أكثر إستجابة للمعايير المتعلقة برعاية خيارات المجتمع والسماح بتغيير السلطة. ويمكن القول إنه بفضل هذا النظام الجديد بات الشعب في تركيا سيداً للسياسة.

إن إنتخاب السلطة السياسية ورئيس الدولة/أوالحكومة لفترة محددة ينطوي على أهمية بالغة. ولو كانت هذه القاعدة لوحدها موجودة في الكثير من الدول القمعية وعلى رأسها دول الشرق الأوسط، فإنها كانت ستساهم في حل الكثير من المشاكل. وعلى سبيل المثال لو كانت هذه القاعدة مطبقة في سوريا، لكانت تنتهي فيها فترة ولاية الأسد، وبالتالي لكانت تُحل القسم الهام من مشاكل هذا البلد.

 

 

المُلك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم

إن الأنظمة القمعية الموجودة في أفريقيا والشرق الأقصى وخصوصاً في الشرق الأوسط سوف لن تدوم لفترة طويلة مهما بلغت قوتها. إذ لا يمكن لأية سلطة في عصر الاتصالات والمعلومات أن تعمر طويلاً في حال عدم مراعاتها خيارات المجتمع. ومثل هذه السلطات ومهما بلغت من القوة لم تٌعمر طويلاً في الماضي أيضاً. فما الذي بقي إلى يومنا من المغول والصليبيين؟ ولهذا أفاد نظام المُلك الذي كان من الوزراء العظام للدولة السلجوقية، أفاد في كتابه " سياست نامة" الذي ألفه قبل ألف عام قائلاً " المُلك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم".

وفي مستهل المقال أشرنا إلى أن أهم مشكلة للمجتمعات غير الغربية تتمثل بعدم ممارسة السياسة بالإستناد إلى خيارات المجتمع والتغيير. أما المشكلة الأساسية للمجتمعات الغربية فربما تتمثل بالإنتقال شيئاً فشيئاً إلى ممارسة السياسة عبر الأحزاب العنصرية التي تحظى بموافقة شعبية. وإن التهديدات التي تُشكلها الأحزاب العنصرية التي باتت تتقاسم السلطة على نحو متزايد في الغرب، إن التهديدات التي تُشكلها بالنسبة للعالم هي موضوع لمقال آخر.

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع 07 إنعكاسات من عهد السلطان عبد الحميد على يومنا الراهن

ملف الأسبوع 07

إنعكاسات من عهد السلطان عبد الحميد على يومنا الراهن

فيما يلي نقدم لكم مقالاً بعنوان " إنعكاسات من عهد السلطان عبد الحميد على يومنا الراهن" بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد.

قبل 101 عاماً وتحديداً في العاشر من فبراير/شباط من عام 1918 توفي السلطان عبد الحميد الثاني. إن التاريخ هو في الحقيقة ليس بماضي وإنما هو مرجع أساسي يُسلط الضوء على المستقبل. ولهذا ينبغي عدم النظر إلى التاريخ كموضوع للمديح أو الهجاء وإنما يتعين النظر إليه من زاوية ما يقدمه لنا من عِبَر نستفيد منها في المستقبل. وكما قال الشاعر محمد عاكف أرصوي " يُعرِّفون التاريخ بأنه شيء يتكرر، ولو كان يتم الإتعاض منه هل كان سيتكرر؟".

عند النظر من هذه الزاوية ربما يمكن القول إن عهد السلطان عبد الحميد هو أهم حقبة في تاريخنا القريب من ناحية الإسهام في فهمنا ليومنا الراهن.

ومما لا شك فيه ثمة الكثير من المسائل التي يمكن الإشارة إليها بشأن ذلك العهد من قبيل مساعي التنمية وبناء المدارس والعلاقات المقامة مع المناطق الجغرافية البعيدة وسياسة التوازن العالمي. وبعد الإشارة إلى بعض الموضوعات أود التطرق إلى المسائل المنعكسة من ذلك العهد على يومنا الحالي إنطلاقاً من المشاكل التي كنا نواجهها في تلك الفترة.

يمكن إعتبار جميع مساعي السلطان عبد الحميد بأنها كانت محاولة لضمان الصمود لإمبراطورية ضخمة كانت على وشك الإنهيار، وذلك من خلال إنتهاج سياسة التوازن بين القوى الإمبريالية آنذاك. قضى السلطان عبد الحميد جُل حياته في الكفاح ضد اللاعبين الخارجيين والمتواطئين معهم في الداخل ، من أجل إبقاء الدولة العثمانية التي كانوا يصفونها بـ " الرجل المريض" واقفة على قدميها. ولهذا فإنه كان قد تعرض للكثير من الإتهامات المجحفة التي لا يستحقها. ومن المعروف أن حزب الإتحاد والترقي الذي كان يتهم السلطان عبد الحميد بالإستبداد، كان قد طبّق َ بعد توليه السلطة إجراءات أكثر إستبداداً وقمعية. وهنا ينبغي الإشارة إلى مساعي اليهود الصهاينة آنذاك وبدعم من بريطانيا لإقامة دولة إسرائيل فوق الأراضي العثمانية.

إن كاتب جلبي كان على غرار إبن خلدون يُشبِّه الدول بالإنسان الذي يعيش عهود الطفولة والشباب والشيخوخة. وحسب كاتب جلبي فإن الدولة العثمانية كانت قد أسدلت الستار على عهود طفولتها وشبابها منذ فترة طويلة وكانت تعيش عهد شيخوختها. غير أنه يمكن تأخير النهاية المحتومة للدول بفضل الحُكام المتمتعين بالخبرة والتجربة والمعرفة ، على غرار الأطباء الذي يطيلون أعمار المرضى. ولهذا كان كاتب جلبي يرى ضرورةً في تسليم إدارة الدولة العثمانية إلى شخصية متمتعة بالقوة والدراية.

وكان السلطان عبد الحميد يتمتع بمواصفات هذه الشخصية التي أشار إليها كاتب جلبي. بيد أن روح الزمن كانت تتغير، وكان الستار يُسدل على عهد الإمبراطوريات. والدولة العثمانية لم تكن بالدولة الوحيدة التي كانت تنسحب من مسرح التاريخ مطلع القرن العشرين.  فالإمبراطورية الروسية وإمبراطورية النمسا والمجر أيضاً كانتا قد إنسحبتا من مسرح التاريخ مع الحرب العالمية الأولى. كما يمكن القول إن الإمبراطورية البريطانية التي كانت تبدو أقوى لاعب آنذاك قد أكملت عمرها مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

إنعكاسات ذلك العهد على يومنا الراهن

ومن ناحية إنعكاسات ذلك العهد على يومنا الحالي يمكن الإشارة إلى العلاقات التي أقامها السلطان عبد الحميد على الصعيد العالمي والاهتمام الذي أظهره للمسلمين في العالم. وبوسعنا رؤية أثر أو علاقة موروثة من السلطان عبد الحميد في الكثير من المناطق الممتدة من اليابان إلى الصين ومن أفريقيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا. إذ ربما أن السلطان عبد الحميد يأتي في مقدمة السلاطين العثمانيين ممن تركوا الكم الأكبر من الآثار في أوسع رقعة جغرافية على الرغم من إفتقار الدولة آنذاك إلى الإمكانيات اللازمة.

و نظراً لأن عبدالحميد لم يكن من سلاطين عهد الصعود و الإرتقاء ، فإنه كان منشغلاً على الأكثر بمساعي حماية و إنقاذ الدولة ، و لهذا فإن إنعكاسات عهده على يومنا الحالي تتعلق على الأكثر بهذه المساعي و نتائجها.

إن تنحية السلطان عبدالحميد نتيجة لإنقلاب ، يمكن إعتبارها من حيث نتائجها بمثابة قمة للإنقلابات الناجحة التي كانت قد جرت حتى ذلك الوقت. وطيلة تاريخ الجمهورية التركية إستمر الصراع بين التقاليد الإنقلابية الموروثة عن مهندسي الإنقلاب الداخليين و المتمثلين بزعماء الإتحاد و الترقي، و بين التقاليد الديمقراطية التي تواصلت على الطريق الذي سار عليه مندريس و أوزال و أردوغان. ومع خطوات الدمقرطة وتدعيم الإدارة المدنية التي تم الإقدام عليها في عهد حزب العدالة والتنمية أصيب تقليد الإنقلابات والوصاية في تركيا بضعف شديد. ومع الإنتقال إلى النظام الرئاسي تراجع هذا التقليد إلى نقطة ربما يُعتبر الأضعف في تاريخه.

إن ما جرى من أجل تنحية السلطان عبد الحميد ولا سيما الأعمال التي قام بها الإتحاد و الترقي ، خلّفت من ورائها إرثاً يتمثل بعدم إدراك الشعب لما يحصل و يمكن فيه للعناصر من قبيل  المثقفين و الإعلام و البيروقراطية و الجيش إقامة علاقات وثيقة مع عناصر خارجية من شأنها إفراز مسيرة منطوية على نتائج وخيمة ضد الشعب و الدولة. و إن المسيرة التي تعرض لها مندريس و أوزال و أربكان و أردوغان كانت إستمراراً لنجاح تلك المسيرة في الماضي.

إن إظهار السلطان عبدالحميد لدى الرأي العام الداخلي و الخارجي و كأنه شخصية شيطانية بمعنى من المعاني و مصدراً لجميع المساوىء و أعمال الشر ، كان قد ولّدَ تصوراً يفيد بأن جميع المشاكل ستُحل في حال إنهيار هذه الشخصية. ومن المعروف أن مساعي إستخدام خطابات الكراهية من أجل خلق تصورات ترمي لإظهار شخص واحد بعينه وكأنه مصدر لجميع المشاكل، هي مساعي رأينا مثيلاً له في عهود مندريس و أوزال و أردوغان أيضاً.

 

الندم، الوقاحة

إن بعض المثقفين الذين عاشوا الأحداث التي جرت أعقاب تنحية السلطان عبد الحميد، كانوا قد عبّروا عن ندمهم. وأبرز هؤلاء هو الشاعر رضا توفيق الذي إعترف صراحةً بندمه في شعره المعنون " طلب المدد من روح عبد الحميد خان". ونقتبس من هذا الشعر هذه الأبيات:

" كُلّما ذ َكَرَ إسمَكَ التاريخ و الزمان

سيعطيك حقّاً أيها السلطان العظيم

نحن الذين افترينا بلا حياء

على السياسي الفريد في عصره ، السلطان "

ولكن من الصعوبة بمكان القول بأن مثل هذا الندم كان منتشراً لدى المثقفين والبيروقراطيين العثمانيين المعارضين للسلطان عبد الحميد. وكما أفاد كمال طاهر   فإن هؤلاء المثقفين والبيروقراطيين كانوا قد  دخلوا في مسيرة التغرب بهدف إنقاذ الدولة العثمانية. و على الرغم من رؤيتهم زوال الدولة فإنهم لم يتراجعو عن هذا الطريق و إتهموا المعارضين لهم بالرجعية. و حسب كمال طاهر أيضاً " إن هؤلاء إنجرفوا بمعنى من المعاني حتى مستوى الخيانة. و عند النظر من هذه الزاوية فإن هؤلاء المثقفين و البيروقراطيين التقدميين العثمانيين المنادين بالتغرب ، إستقبلوا الإنهيار الذي حصل عام 1918 بنوع من نتائج القدر. بل يمكن القول إنهم لجأوا إلى التباهي كتباهي المحقين".

إن ما قاله كمال طاهر بحق المثقفين و البيروقراطيين العثمانيين ، ألا يُعتبر سارياً بالنسبة لبعض مثقفي و بيروقراطيي العهد الجمهوري أيضا ً ؟ و هل أن هؤلاء المثقفين شعروا بالندم من المسيرة التي تمخض عنها إعدام رئيس الوزراء الأسبق الشهيد المرحوم عدنان مندريس ، و من المشاكل التي واجهتها تركيا أعقاب رحيل رئيس الجمهورية الأسبق تورغوت أوزال الذي كان قد قُتل  حسب رأيي ؟ و هل أن المثقفين المماثلين في يومنا الراهن من المعارضين لرئيس الجمهورية اردوغان و الذين يكررون دعايات البؤر الغربية المعينة كالببغاء و ليست لديهم أجندات أخرى ، هل سيشعرون بحياء من أفعالهم في حال توقف مسيرة تركيا لا سمح الله؟ أم أنهم سيسعون مرة أخرى إلى إظهار أنفسهم محقين من أجل عدم البقاء وجهاً لوجه مع ما قاموا به؟.

 

 

Yazdır  

ملف الأسبوع / 6

ملف الأسبوع / 6

مورو: نحو أيام مشرقة

سيداتي و سادتي أهلاً و مرحباً بكم ..

فيما يلي نقدم لكم مقالاً بعنوان " مورو ... نحو أيام مشرقة" بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايريد في أنقرة.

إن  مسلمي مورو القاطنين في جزيرة " مينداناو" الواقعة جنوب الفلبين عاشوا آلاماً ربما تُعتبر الأطول في تاريخ الإنسانية، و أنهكتهم هذه الآلام بالقدر الأكبر في العالم . و مسيرة الآلام التي بدأت في القرن السادس عشر و التي عُجِنت بالدماء و المظالم والمِحَن و الموت ، باتت اليوم تتحول إلى نوع من الأمل. إذ يبدو في الآفاق بارقة أمل قوية تُبشر بتخفيف دموع أطفال مورو و إنتهاء أيامهم الحالكة و بدئهم بالسير بأمان و طمأنينة نحو المستقبل دون الخشية من البقاء أيتاماً بلا آباء و أمهات.

إن مورو هي منطقة يتم ذكرها إلى جانب المناطق المظلومة الأخرى مثل فلسطين و أريتيريا و كشمير في الأدعية اليومية بالرقعة الجغرافية التي يتم التحدث فيها باللغة التركية. وربما جرى إسماع إسم مورو للجماهير الواسعة بالقدر الأكبر من خلال الشعر المؤثر الذي يحمل عنوان " مقاتلون من أجل غد مشرق – ملحمة مورو" للشاعر صالح ميرزا بي أوغلو. غير أنه بات اليوم ثمة مستقبل مختلف بإنتظار مسلمي مورو.

و أود هنا السعي  للحديث عن الإستفتاء الذي جرى في الحادي و العشرين من يناير/كانون الثاني.

 

نبذة عن تاريخ مورو

إن وصول الإسلام إلى جزر الفليبين لم يكن مختلفاً عن إنتشار الإسلام في المناطق الأخرى بالشرق الأقصى. فقد تعارف أهالي مورو بالإسلام من خلال التجار المسلمين. ومع مرور الزمن بدأ الإسلام بالإنتشار في المنطقة. و واصل المسلمون هناك العيش تحت مظلة دولتهم طيلة قرون و حتى القرن السادس عشر. و في عام 1521 إندلعت المواجهات في مورو بين المسلمين و الإسبان. فمع سقوط الأندلس إنتشرت المواجهات و طالت الفليبين ، و إستمرت منذ ذلك التاريخ و حتى اليوم بأشكال مختلفة أي منذ نحو خمسة قرون.

و بينما كان المسلمون يُشكلون الأغلبية في كامل جنوب الفليبين تقريباً مع حلول القرن العشرين ، فإنهم تحولوا في الكثير من المناطق إلى أقلية بفعل أعمال الصهر و التغيير الديموغرافي. فالسياسات التي إنتهجها الإسبان و من بعدهم الأمريكان الذين  حكموا المنطقة في النصف الأول من القرن العشرين و ثم دولة الفليبين، تسببت في تعريض المسلمين للموت أو الهجرة. و خلال زيارتي لمدينة " كاتابوتو" عام 2016 كنتُ قد شاهدتُ ميدانياً الناس المُهجّرين من ديارهم و الساعين إلى البقاء على قيد الحياة بالعيش داخل أكواخ الصفيح التي أقاموها فوق الأنهار بسبب عدم السماح لهم بالسكن و الإقامة على اليابسة.

وفي أعوام الستينات بدأ مسلمو مورو بحركة مقاومة منظمة لمواجهة السياسات الرامية إلى القضاء عليهم. وواصلوا  هذه المقاومة في فترات مختلفة تحت مظلة التنظيمات المختلفة. و إستنادا إلى هذا الكفاح جرت مباحثات بين الفليبين و زعيم جبهة التحرير الإسلامية            " سلامت هاشم"  الذي خلفه بعد وفاته عام 2003 "حاج مراد إبراهيم" .  وفي عام 2012 تم التوقيع على إتفاق إطاري بين الحكومة الفليبينية و  جبهة تحرير مورو الإسلامية بغرض إنهاء الحرب الأهلية التي إستمرت أربعة عقود و تسببت في مقتل 120 الف شخصاً و إضطرار مليوني شخص على الهجرة. وفي عام 2014 تم تشكيل " فريق من المراقبين المستقلين" بهدف مراقبة مسيرة السلام في المنطقة. وكان الرئيس الفليبيني الحالي

رودريغو دوتيرتي قد وعد خلال حملته الانتخابية عام 2014 بإقامة منطقة حكم ذاتي في مورو.

 

نتائج ومغزى الإستفتاء

في نتيجة الإستفتاء الذي جرى في الحادي والعشرين من يناير/كانون لثاني 2019 تمت الموافقة بنسبة 80% من الأصوات على تمتع مسلمي مورو بالحكم الذاتي. وسيتم بعد الآن تشكيل " سلطة بانغسامورو الإنتقالية" من 80 عضواً لتقوم بمهام البرلمان وإدارة منطقة بانغسامورو حتى عام 2022.  و مع إقرار نتيجة الإستفتاء ستذهب 75% من العوائد الضريبية التي ستُجمع في المنطقة إلى الحكومة المحلية فيما ستذهب الـ 25% الباقية إلى الحكومة المركزية.

كما  ستبقى 75% من عوائد الثروات الطبيعية في المنطقة و ستُحوّ ل نسبة الـ 25% الباقية إلى الحكومة المركزية. كما سيمكن للمسلمين في بانغسامورو تأسيس الشرع الإسلامي في المنطقة و التعامل فيما بينهم وفقاً لهذا الشرع خلافاً للنظام القائم في الفليبين. فيما سيكون المسيحيين في مورو تابعين للنظام القانوني لدولة الفليبين.

و سيكون مسلمي مورو متمتعين بإستقلال تام في الشؤون الداخلية ، فيما سيكونون تابعين للحكومة الفليبينية في الشؤون الخارجية و الأمنية.

 

إحتياجات مسلمي مورو

دعم مسيرة السلام: إن إدامة مسيرات السلام هي مهمة عسيرة في أي مكان بالعالم. و هذه المهمة تكون محفوفة بمخاطر العودة إلى المربع الأول في مباحثات السلام بين الأطراف المعنية. و لهذا فإن الدعم الذي ستقدمه الشرائح المطالبة بالسلام و الأمان في المنطقة و المجتمع الدولي لهذه المسيرة في الفليبين ينطوي على أهمية بالغة. و إن كون رئيس الفليبين رودريغو دوتيرتي منحدراً من منطقة قريبة من بانغسامورو و عيشهِ خلال طفولته في هذه المنطقة و إقامته علاقات وثيقة مع سكان مورو، يعتبر فرصة هامة بالنسبة لمسيرة السلام. وفي هذا السياق من الأهمية بمكان تقديم الدعم والتشجيع للرئيس دوتيرتي في سبيل إدامة هذه المسيرة. و ينبغي الحرص على عدم إفسادها من قبل تنظيم داعش الإرهابي.

 

ضرورة عدم الإكتفاء بالمساعدات الإنسانية:  إن شعور أي مجتمع كافَح َ من أجل حريته منذ خمسة قرون و دَفَعَ  أثمان باهضة في هذا السبيل ، إن شعوره بالحاجة إلى مساعدات إنسانية هو أمر لا جدال فيه. و خلال زيارتي للمنطقة والتي أشرت إليها قبل قليل ، كنتُ قد علِمتُ بوجود 26 منظمة دولية للإغاثة في المنطقة ، و عدم وجود أية مؤسسة للمساعدات الإنسانية فيها من العالم الإسلامي بإستثناء  مؤسسة واحدة من تركيا وهي وقف المساعدات الإنسانية (İHH). ومما لاشك فيه ينبغي زيادة حجم المساعدات الإنسانية المقدمة إلى المنطقة. و إلى جانب هذا و كما أشرتُ في مقال سابق (الموجود على الرابط :

https://www.yenisafak.com/hayat/filipinlermoro-muslumanlari-ve-otesi-2556104 )

فإن مسلمي مورو بحاجة مُلحّة إلى دعم في مجال المساعدات الإنسانية في مسيرتهم المتعلقة بالحكم الذاتي. إن المجتمع الذي إنشغل على الأغلب بالمواجهات لقرون طويلة من أجل البقاء و الصمود ، سيحتاج في هذه المسيرة  بصورة عاجلة إلى الخبرة و التجربة في مجال تأسيس إدارة ذاتية. كما سيكون بحاجة إلى أشخاص مؤهلين و تبادل للخبرات في مجالات النظام السياسي و المالية العامة و الإدارة المحلية و البيروقراطية المركزية و التعليم الجامعي و النظام القضائي. و من أجل عدم ذهاب كفاح مسلمي مورو المستمر منذ خمسة قرون، هباءً بسبب الإدارة الخاطئة و الأشخاص غير المؤهلين، ثمة الكثير من المهام التي تقع على عاتق متطوعي مورو من العالم أجمع.

و إن لجوء الجامعات إلى إفتتاح كليات أو أقسام أو مدارس مهنية عليا في مجالات الصحة و الحقوق و الإدارة العامة و الإدارات المحلية ، سيكون له إسهام هيكلي في حل الكثير من المشاكل في تلك المنطقة.

 

قيمة إسهامات تركيا في خدمة السلام العالمي: كانت قد شُكلت لجنة دولية تضم تركيا أيضاً من أجل إدارة مباحثات السلام في مورو. و إلى جانب هذه اللجنة جرى تشكيل فريق متابعة مؤلف من خمسة أعضاء. و بناء على طلب من مسلمي مورو إنضم إلى هذا الفريق من تركيا ممثل وقف المساعدات الإنسانية (İHH) "حسين أوروج". و يتولى الفريق متابعة مسيرة السلام.

إن تركيا هي واحدة من الدول التي يمكنها الإسهام بالقدر الأكبر في خدمة السلام والأمان في العالم بفضل تاريخها و خبراتها و خزينها و مكانتها العالمية المرموقة. و ليس بالضرورة أن يكون هذا الإسهام من قبل الدولة فحسب بل عبر منظمات المجتمع المدني و الجامعات أيضاً كما عليه الحال في مثال الفليبين.

إن النقطة التي تم بلوغها في مورو أعقاب كفاح إستمر خمسة قرون ، تنطوي على قيمة كبيرة جداً. و يتعين علينا جميعاً الإسهام في إدامة هذه المسيرة  في سبيل عدم العودة إلى وسط المواجهة التي يتضرر منها الجميع ، و ضمان أن تجلب نتيجة الإستفتاء الأمان لمسلمي مورو و الفليبين و الإنسانية و من أجل أن ينظر أطفال مورو إلى الغد بمزيد من الأمل و الثقة.

 

 

Yazdır  

مقالة

ملف الأسبوع 05

هل هي نهاية القيم؟ 2

  الجزء الثاني من المقال المعنون " هل هي نهاية القيم؟" بقلم الأستاذ الدكتور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية بجامعة يلدريم بايزيد في أنقرة.

في الجزء الاول من المقال كنا قد أشرنا إلى أننا على عتبة الدخول إلى عهد تتعرض فيه القيم للإندثاروالمفاهيم من قبيل المبدئية والفضيلة والتقاسم والعدل، للنسيان، وقلنا إنه من الأنسب أن نطلق على هذا العهد إسم " نهاية القيم". وأوضحنا أن إلقاء نظرة عامة من الأعلى على العالم يكفي لرؤية الإندثار الذي تتعرض له القيم، وتطرقنا إلى المستجدات السلبية في الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي من ناحية القيم. ونواصل حديثنا عن الموضوع.

الولايات المتحدة الأمريكية

حتى الأمس كانت الولايات المتحدة الأمريكية دولة يُطلق عليها " الحُلم الأمريكي". وكان طراز العيش الأمريكي بمثابة موضة لو جاز التعبير في جميع الدول تقريباً. ولكن لو تم اليوم إجراء إستطلاع للرأي بهذا الخصوص فإنه على الأرجح أن النتيجة ستُظهِر كون صورة الولايات المتحدة الأمريكية في أدنى مستوياتها على مدى التاريخ.

اليوم ثمة 6 آلاف لاجىء فقط من دول أمريكا اللاتينية ينتظرون منذ أشهر على أبواب الولايات المتحدة الأمريكية. وبينما تستقبل الدول مثل تركيا ولبنان والأردن أحياناً أكثر من هذا العدد من اللاجئين في ليلة واحدة فقط،نرى أن الدولة الأولى في العالم لربما هي الدولة التي ينتظر على أبوابها اللاجئون لأطول فترة في العالم. والشيء الأنكى هو لجوء الولايات المتحدة الأمريكية التي تُعتبر واحدة من أغنى دول العالم إلى إستخدام وسائل أخرى إضافة إلى الإستعانة بالجيش لمواجهة اللاجئين من قبيل بناء جدار على حدودها على غرار جدار برلين الذي هُدم في أوروبا. و ربما أن الأموال التي أنفقت والتي سيتم إنفاقها بهذا الخصوص هي أقل بكثير من الأموال اللازمة لحل مشاكل اللاجئين.

إن الإدارة الأمريكية الحالية باتت لا تتردد في التفكير بالإنسحاب من جميع المعاهدات و الإتفاقيات الدولية من خلال النظر إلى مصلحتها الذاتية فقط و بالإستناد إلى خطاب " أمريكا أولاً" ومن دون الخشية من خرق الشرعية. فالعالم تابع بقلق قرار الولايات المتحدة الأمريكية الإنسحابمن إتفاقية باريس للمناخ الرامية إلى منع الإحتباس الحراري ومن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

إن جملة " نعارض أيديولوجية العولمة" التي قالها الرئيس الأمريكي ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت حتى قبل سنوات ليست كثيرة عبارة عن جملة يمكن أن يستخدمها أحد الزعماء أو المنظِّرين الأيديولوجيين من دول العالم الثالث. وكان لا يمكن للإنسان أن يتخيل إستخدام الجملة المذكورة من قبل رئيس أمريكي.  

 

الصين وروسيا

إن الصين وروسيا لم تعودا من بين الدول التي تضع المعايير وتنتج القيم الكونية المشتركة خلال القرن الأخير. ولكن إلى جانب هذا فإن الصين هي دولة تشهد تطوراً سريعاً جداً. وكلا الدولتين أي الصين وروسيا تتمتعان بالفاعلية في السياسة العالمية وبحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي.

وبسبب عدم كون مجتمعي الدولتين منفتحين بالقدر الكافي، فإن ممارساتهما على صعيد السياسة الداخلية غير معروفة بما فيه الكفاية لدى المجتمع الدولي. وتتعرض ممارسات الرئيس الروسي بوتين إزاء المعارضين له، للإنتقادات. أما الصين فبسبب عدم إنتهاجها سياسة منفتحة،فليس من المعروف بالضبط الأبعاد الحقيقيةلما تتحدث عنه وسائل الإعلام العالمية بشأن إنتهاكات حقوق الإنسان الرهيبة وممارسات الصهر الجارية في تركستان الشرقية.

 

العالم الإسلامي

 

كما أن الدول الإسلامية لم تعد منذ قرون من بين الدول التي تضع المعايير وتنتج القيم الكونية المشتركة على الصعيد العالمي. وبغض النظر عن وصف هذه الدول لنفسها بأنها دول علمانية أو مَلكية أو تدار وفقاً للشريعة الإسلامية، فإنها تدار إما بأنظمة ديمقراطية أو سلطوية أو شمولية.

و عند النظر إلى منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة سنرى أن الذين يديرون دول هذه المنطقة يكادون لا يشعرون بالحاجة لرضا رعايا و مواطني هذه الدول ، و هم مدينون إلى حد كبير للاعبين العالميين و ليس إلى شعوبهم  في مجال إدامة سلطتهم. و اللاعبون الدوليون لا يترددون في التعبير عن هذا الوضع . و بعضٌ من دول الشرق الأوسط بوضعها الراهن تعيش ظروفاً أليمة ربما تُعتبر الأسواء في تاريخها ، و إن كانت مسؤولية هذه الظروف لا تقع على عاتق هذه الدول لوحدها. و أفراد شعوب مثل هذه الدول يسعون إلى مغادرتها و إن كلّفهم ذلك أرواحهم.

نهاية العقل المتنور: من فرانكشتاين إلى الذكاء الصناعي

 

إن "فرانكشتاين" الذي ألفته الكاتبة الإنجليزية ماري شيلي عام 1818 عندما كانت لا تبلغ سوى التاسعة عشرة، لم يكن مجرد رواية فحسب بل يمكن في ذات الوقت إعتباره بمثابة نتيجة يمكن أن يتوصل إليها العقل المنفصل عن التقاليد والدين والمؤسسات البينية الوسيطة والمستسلم للمنطق المؤسِس للتنور والدنيوية والفلسفة الوضعية. و نفس هذا العقل يلهث اليوم وراء إنتاج الذكاء الصناعي. و الإنسانية برمتها  شاهدة على الكارثة التي إنجرت ورائها الإنسانية و كوكبنا إبان الحربين العالميتين الأولى و الثانية. إلى اين سينجر العالم بفعل "الإنسانية" المزودة بذكاء صناعي مجردمن جميع القيم و حريص فقط على القوة و التطور الميكانيكي و أقوى بكثير من الإنسان الحي و القادر على التحكم فيه؟ يبدو أن الإنسانية ستقضي على نفسها بنفسها.

 

الإنسان الباحث عن المتعة

 

ثمة زيادة مضطردة في أعداد اللاهثين وراء المتعة فقط ولا سيما لدى الشباب. وإن الكوارث الناجمة عن الأشخاص الذين لا يقيمون إلا علاقات متعة مع أفراد أسرهم وأصدقائهم ومدارسهم وبيئتهم ومع الطبيعيةوالحيوانات و الكائنات الحية الأخرى، بلغت منذ الآن أبعاداً رهيبة. والإنسان الذي لا يحمل في داخله أي قيم و لا يلهث سوى وراء المتعة و اللذة سيتحول على الأرجح إلى شيء آخر غير الإنسان.

و على الرغم من وجود التطورات السلبية التي أشرنا إليها يمكن الإدعاء أن معظم الأفراد يواصلون حمل المشاعر الحريصة على القيم و الفضيلة على نحو مستقل بمعزل عن مظلة الهويات الفضفاضة و الأيديولوجيات الكبرى و مظلة الدول أو المؤسسات الدولية. نعم ، يمكن للأفراد غير المفتقرين إلى التنظيم التحول إلى أشخاص يحملون القيم . و يمكننا الشعور بمزيد من الأمل من هؤلاء الأشخاص من ناحية التمتع بالمزيد من القيم. و إلى جانب هذا ، فإن كوننا نعلم بأن العالم يتبلور من قبل كيانات متمتعة بمزيد من التنظيم يمنعنا من التحلي بمزيد من الأمل.

و في حال فشلنا نحن أسرة الإنسانية في إتخاذ التدابير المشتركة و العثور على سبيل جديد لوقف مسيرة " نهاية القيم" ، فإننا سنقترب بسرعة من النهاية الحزينة التي نتولى إعدادها بأنفسنا سويةً.